بين هذه النوعين من القوانين فروق متعددة يمكن إجمالها فيما يأتي: (1)
القوانين الوضعية من وضع الإنسان الذي راعى الظروف والأحوال المختلفة حين وضعها، أما القوانين الأخلاقية فمن وضع الضمير. (2)
لهذا كانت الأولى عرضة للتغيير والتبديل برقي الأمة وتقدمها أو تأخرها وانحطاطها، بخلاف الأخرى التي لا تتغير بحال وإن تغيرت آراء الناس فيها وأحكامهم على نتائجها، فعندنا مثلا مبدأ المحافظة على الحياة يقدسه كل فرد وإن أباح البعض قديما قتل الأسرى لضرورة حربية، ووأد البنات لأسباب اجتماعية تبرره في رأيه، مع وجود من كان ينكر هذه العادة في تلك الأزمان أشد الإنكار؛ ولهذا روى لنا المؤرخون أنه كان هناك من أشراف تميم في الجاهلية من مقت الوأد وعابه، فكان يشتري الموءودات من ذويهم بما يذهب الفقر، وممن عرف ذلك عنه غالب بن صعصعة جد الفرزدق الشاعر المعروف. (3)
وقد يظهر بالتطبيق عدم صلاحية القانون الوضعي، إما لجهل واضعه بشئون الأمة التي يشرع لها، أو لمحض الزمن واختلاف الحال. أما القانون الأخلاقي فلا يكون إلا صالحا دائما متى ثبت أنه أخلاقي. (4)
القانون الوضعي لا يثيب المطيع وإنما يؤاخذ العاصي المتمرد عليه، كما لا يؤاخذ إلا على نتائج الأعمال دون نظر لبواعثها. أما الأخلاقي فينظر إلى الأعمال والباعث عليها، ويثيب الطائع بالرضاء النفسي والهدوء وطمأنينة القلب والاحترام، كما يعاقب العاصي بالتأنيب الداخلي والاحتقار. (5)
القانون الوضعي يحتاج لقوة خارجة لتنفيذه تأخذ الخارج عليه؛ من شرطة ونيابة وقضاة. أما الأخلاقي فقوته التنفيذية هي الضمير وحده، وهو كما علمنا تلك القوة الداخلية والباطنية. (6)
وأخيرا لا تكلف القوانين الوضعية الإنسان إلا بالضروريات لصالحه وصالح المجتمع الذي يعيش فيه. أما الأخلاقية فتكلف بذلك وبالكماليات التي تزيد في سعادة الإنسانية ورفاهيتها، وتصل بين المرء والمثل الأعلى للحياة الأخلاقية الكاملة، مثلا يطالبنا القانون الوضعي بالمحافظة على أموال الناس، أما أموالنا الخاصة فأباح لنا حرية التصرف فيها بما نريد، ولكن قانون الأخلاق يأمرنا فوق المحافظة على أموال الغير بالتصرف في أموالنا بما فيه خيرنا وخير الأمة جميعا؛ ولهذا تندب الناس للتبرع للمستشفيات وجمعيات الخير، وتعد من الإثم القعود عن العمل للخير العام مع القدرة عليه. (ب) الحاجة للبحث الأخلاقي مع وجود القانون الإلهي
قد يقال: إذا كان القانون الإلهي بريئا من عيوب القوانين الوضعية، وكان هو أصل الأخلاق ومنبعها، فما الحاجة إذن للبحث في الأخلاق؟ ولماذا العناء في هذه الدراسات الطويلة المضنية؟
وجوابنا عن ذلك أن الدين وإن بين لنا الفضائل والرذائل والخير والشر، ورسم لنا ما نعمل وما لا نعمل، إلا أنه كما قلنا سابقا لم يفصل لنا علة ما جعله خيرا أو شرا من الأعمال، ولم يقفنا على المستوى الذي نحكم بحسبه على بعض الأعمال بأنها خير، وبعضها بأنها شر، وترك ذلك لعلم الأخلاق الذي يكسب دارسه الدقة في التقدير ووزن الأعمال ويوجه إرادته نحو الصالح منها.
وثم سبب آخر، وهو أن القانون السماوي، إذا فهمنا علل أحكامه وسبب مشروعيتها، وهذا ما قام به الفقهاء؛ لم يصل للصميم من أفئدة الناس جميعا، فلو اكتفى الأخلاقيون به لضل كثير طريق الفضيلة التي يرشد إليها الناس. القانون الأخلاقي يهدي إلى الخير، وتسترشد به الأمم التي انقطعت عن الشرائع السماوية حينا، كما تصل به الأمم التي وصل إليها الوحي في بعض الأحيان إلى تفهم الحقائق التي جاءتها عن الرسل والأنبياء، عليهم أفضل الصلاة والسلام.
| المراجع
(1) المراجع العربية (1)
إحياء علوم الدين للإمام الغزالى. (2)
كتاب الأخلاق لأرسطو، ترجمة لطفي السيد باشا. (3)