الثالث:
إنه قاتل لحرية التفكير في المرء تقريبا لأنه يفرض أوامره في كثير من الحالات فرضا، ولو التزم الناس العرف ووقفوا عند حدوده، لما تقدم العالم ولأصيب بالجمود، وحيل بينه وبين الارتقاء. وليس أكثر حركات المصلحين إلا ثورات على العادات السيئة والتقاليد البالية؛ ولذلك نعى الله في أكثر من موضع في القرآن الكريم على المشركين تمسكهم بما كان عليه آباؤهم من غير نظر ولا تفكير، فقال:
وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون !
واعتبار الشرع له في بعض الحالات لا ينافي عدم صلاحيته لميزان الأعمال الأخلاقية؛ لأن الفقهاء إنما راعوه في الأمور المادية من حيث صحتها وفسادها، فتترتب أو لا تترتب عليها آثارها العملية، أما الأخلاق فمناط نظرها الأعمال الأدبية من ناحية خيريتها وشريتها، وكم من عمل يكون صحيحا شرعا وهو شر من جهة الأخلاق، كالذي يقف جانبا من ماله على بناء ملجأ لليتامى مثلا وقفا مستوفيا لشرائط الصحة، لكن باعثه هو الرياء والسمعة والطمع في رتبة من رتب الشرف الرسمية، هذا العمل صحيح شرعا لاستيفائه شروط الصحة في مثله، فتلزمه آثاره العملية من حبس العين وعدم التصرف فيها بالبيع ونحوه وصرف غلتها لمنافع الملجأ ومصارفه، إلا أن الأخلاق لا يمكن أن تعده خيرا لفساد الباعث عليه.
لهذه الأسباب وغيرها يتضح صحة ما رآه الأخلاقيون من عدم صلاحية العرف للقياس الخلقي، فلننتقل عنه إلى البحث في القياس الثاني وهو القانون. (8) القانون
أنواع القوانين، الفروق بينها (8-1) أنواعها
يعيش الإنسان في هذه الحياة وهو محاط بقوانين مختلفة ملزم بالخضوع لها، وإذا ما تتبعنا هذه القوانين وجدناها تنحصر في الأنواع الآتية: (1)
القوانين الطبيعية. (2)
القوانين البشرية أو الوضعية. (3)
القوانين الإلهية. (4)
القوانين الأخلاقية.
وكلمة «قانون» في اللغة معناها، كما جاء في «القاموس»: «مقياس كل شيء»، وهذا المعنى واضح في القوانين الوضعية والسماوية والأخلاقية دون القوانين الطبيعية، فإن إطلاق لفظ «القانون» على الظواهر التي تربط العناصر المادية بعضها ببعض فيه تسامح كبير. ولكل نوع من هذه القوانين الأربعة مميزات وخواص يجب المبادرة ببيانها حتى نعرف الصالح لقياس الأعمال منها. (8-2) القوانين الطبيعية
هي السنن التي تجري عليها الكائنات، والنظم التي قدر الله لها أن نخضع لها:
وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ،
والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ،
ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى .
وذلك يشمل القوانين التي يتعرفها العقل بالمشاهدة الصادقة والتجربة المطردة، كقانون الجاذبية، والمد والجزر، وتمدد الأجسام بالحرارة، وتجمد الماء إذا انخفضت حرارته إلى ما تحت الصفر، وذوبان الثلج إذا ارتفعت الحرارة إلى درجة الصفر أو ما فوقها، كما يشمل أيضا القوانين التي وصل إليها العقل بالفكر والنظر دون حاجة لتجربة أو مشاهدة؛ ولذلك أجمع الناس على القول بصحتها، مثل قوانين الحساب التي يقول بعضها: «الكميتان المساويتان لكمية ثالثة تكونان متساويتين»، وقوانين المنطق التي منها قانون التناقض القائل باستحالة اتصاف الشيء الواحد بصفة ونقيضها.
ومما تتميز به القوانين الطبيعية أنها ثابتة لا تتغير، وأنها عامة لا تقبل الاستثناء، وأنها نافذة على من عرفها ومن جهلها، وأنها تكشف لنا عن الواقع لا غير، لا عما ينبغي أن يكون.
هي ثابتة لا تتغير وإن تغير علم الناس بها، فالأرض منذ خلقها الله - تعالى - تدور حول الشمس، وإن اعتقد الناس حقبة من الزمن أن الشمس هي التي تدور حولها. وهي لا تقبل استثناء مطلقا، فليس في مقدور إنسان أن يمنع الماء من الغليان إذا وصل لدرجة المئة فوق الصفر، كما أنه ليس من الممكن منع النار من إحراق ما تتصل به من الأشياء. وهي نافذة على الصغير والكبير والعالم والجاهل، فالكهرباء تصعق من يلمسها وإن لم يعرف لها هذه الخاصة.