والآن، وقد فرغنا من الكلام على عوامل تكوين الخلق في الإنسان، وبينا موقف المربي حيالها، ننتقل إلى ما يعتبر نتيجة طبيعية لما سبقه، وهو طرق وأساليب تكوين الأخلاق. (4) أساليب تكوين الأخلاق
يقول ابن خلدون في مقدمته:
إن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من الحضر، وأصله أن الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقا وملكة وعادة، تنزل منزلة الطبيعة والجبلة.
44
ويقول الفيلسوف الإسلامي المعروف أبو علي ابن سينا البخاري (370-428ه):
ويمكن للإنسان متى لم يكن له خلق حاصل أن يحصله لنفسه، ومتى صدفت نفسه عن خلق حاصل جاز أن ينتقل بإرادته عن ذلك إلى ضد ذلك الخلق. والذي يحصل به الإنسان لنفسه الخلق ويكتسبه متى لم يكن له خلق، أو ينقل نفسه عن خلق صدفت نفسه عنه؛ هو العادة، وأعني بالعادة تكرير فعل الشيء الواحد مرارا كثيرة زمانا طويلا في أوقات متقاربة، فإن الخلق الجميل إنما يحصل عن العادة، وكذلك الخلق القبيح.
ويقول مسكويه في كتابه «تهذيب الأخلاق» كما قدمنا، عند كلامه على الحال النفسية التي تنقلب خلقا:
ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدرب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر، ثم يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا، ويقول علماء التربية: «العادة طبع ثان.»
من ذلك كله نعلم ما للعادة من أثر في تكوين الأخلاق، الحسن منها والقبيح، فإن تعود العمل الطيب وأخذ النفس به يجعله في النهاية خلقا حسنا، كذلك تعود العمل القبيح، ومزاولته كثيرا يصيره خلقا سيئا.
وليس الآن موضع الكلام عن العادات وتكونها وخطرها، فموضع ذلك عند الكلام على السلوك، وإنما الكلام هنا عن الأساليب التي يسلكها المربون في تكوين الأخلاق، ومبلغ صلاحية كل منها، بعد أن عرفنا قيمة العادة في هذا التكوين. (4-1) الوعظ والإرشاد
يرى بعض المربين أن تربية الأخلاق الفاضلة تكون بالوعظ والإرشاد، وتفهيم المربي حقيقة الفضيلة حتى يغرى بها، وحقيقة الرذيلة وسوء مغبتها حتى ينأى بنفسه عنها.
وهذه الوسيلة وإن صلحت وقومت من نفس من يأتي الرذيلة غير عالم، لا يمكن أن تكون الوسيلة الناجعة؛ لأن في كثرة الكلام عن الرذيلة أمام الأطفال تنبيها لهم إلى ما كانوا عنه غافلين في كثير من الأحوال، ودفعا لهم لتجربة هذا الذي ينهون عنه دائما، «وأحب شيء إلى الإنسان ما منعا»، كما أن كثرة الحث على الفضيلة حرية بأن تجعل من كثير من الأطفال مرائين يتظاهرون بالتأثر بالنصح والعمل بمقتضاه، هذا إلى ما في تكرار الإرشاد من تضييع أثره لأن كل مكرر مملول. (4-2) القدوة والتقليد
المربي هو المثل الأعلى للطفل، قصاراه أن يترسم عاداته ويتخلق بأخلاقه؛ ولذلك تنطبع أخلاق الطفل غالبا على غرار أخلاق والده ومربيه، إن خيرا فخير وإن شرا فشر؛ لأن الأخلاق تسرق من الأخلاق كما يقولون.
من هذا يكون من طرق تكوين الأخلاق الطيبة العناية بأن يكون الوالد والمربي قدوة حسنة طيبة، في نفسه وعاداته وأخلاقه وسائر أعماله، للطفل الذي يقوم على تربيته، وخاصة أدواره الأولى؛ لأن المؤثرات المختلفة التي تساعد على تكوين أخلاق الطفل في فجر حياته تلازمه مدى الحياة، وذلك مصداق ما يقال: إنما يدل على الرجل الطفل، كما يدل على النهار الصبح.
وفي أثر القدوة الصالحة في تكوين الأخلاق الطيبة يقول أحد الكتاب الأوروبيين: «من رمى إلى النبوغ في التصوير لجأ إلى أبدع الصور فأخذ عنها، كذلك من رام حياة سعيدة فليختر خير من يقتدي بهم، وليكد حتى يكون قد ساواهم أو شآهم»،
45
كما يقول آخر من هؤلاء الكتاب محدثا عن أثر القدوة في تربيته أيضا: «أرى كثرة ما يقال في التربية وكأني بالباحثين فيها وقد أغفلوا القدوة وهي كل شيء، ألا إن أجل ما لقيت من التربية في الاقتداء بإخوتي، وقد كان الاعتماد على النفس والاستقلال الحق سائدين في كل فرد من أفراد أهل بيتي، فما زلت أحذو حذوهم حتى اكتسبت هذه الخصال.»