تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46

وحقيقة ، كما يقول صمويل سميلز في كتابه «الأخلاق»، إنه:

تقضي سنة الله في خلقه أن تكون العوامل في تكوين الخلق أشد تأثيرا في دور النمو، حتى إذا طال عليها الأمد وتوالت السنون انقلب الاقتداء بالناس عادة ترسخ شيئا فشيئا حتى تصير طبيعة تتمكن من المرء وتستولي عليه بقوتها، فينزل على حكمها ويخضع لسلطانها غير شاعر.

47

لكن القدوة لا تكون من الوسائل الناجحة في تكوين فاضل الأخلاق إذا ظل الطفل يعمل في رجولته كما كان يعمل في طفولته - عن محاكاة محضة وتقليد صرف - مثل هذه الأعمال ليست لها قيمة من الوجهة الخلقية، بل إن المراد من إشادتنا بفضل القوة الصالحة وأثرها الكبير هو أن هذه الأعمال التي يأتيها المرء في أدوار حياته الأولى بباعث إيحاء القدوة والتأثر تصبح عادة له، فيأتيها متى كبر وهو مدرك لها مميز خيرها وشرها.

وخلاصة القول: إنه بالقدوة والوعظ والإرشاد الحكيم، وقص سير كثير من أبطال التاريخ، كعمر بن الخطاب وما عرف به من شجاعة نادرة أبت عليه أن يتسلل لواذا مهاجرا للمدينة، وعدل شامل لا يستثني فيه أحدا، ومثل حاتم طيئ في بذله وكرمه الذي سار مع الريح، ونابليون بونابرت الذي لم يعرف العجز ولا المستحيل في حياته - بهذه الوسائل مجتمعة يستطيع المربي أن يغرس في الطفل ما يشاء من عادات طيبة، وأن يكون أخلاقه تكوينا فاضلا كما يريد.

المبحث الخامس

| السلوك، المقصد، الباعث

(1) السلوك

تعريفه، علاقته بالخلق (1-1) تعريفه

يقال في اللغة: سلك أي دخل، ومنه قوله تعالى:

ما سلككم في سقر ، وسلكت الطريق سلوكا من باب قعد ذهبت فيه، وبنوع من التجوز - وهو اعتبار الأخلاقية طريقا يسار فيها - يكون هذا المعنى الثاني قريبا للمعنى الأخلاقي ل «كلمة السلوك»، فقد عرفه «سبنسر» في كتابه «مبادئ الأخلاق» بأنه «مجموعة الأعمال الحيوانية المتجهة نحو غاية»، وعلى هذا يشمل جميع أعمال الحيوان والإنسان؛ الإرادية التي لها غاية يقصدها الفاعل، وغير الإرادية التي وإن صح أن يقال عنها إن لها غاية إلا أنها غير مقصودة من الفاعل مطلقا.

وهذا التعريف العام كان موضع نقد العلامة «ماكنزي» في كتابه «الأخلاق»؛ لأنه يرى بحق أن الحيوان مسوق دائما بغرائزه وشهواته، لا يقصد غاية من أفعاله بل لا يفكر في غاية منها، وليس المراد من هذا نفي الغاية عن أفعال الحيوان الغريزية، بل المراد أنه وإن كان لهذه الأفعال غاية تعود على الحيوان كنفع يناله أو ضرر يدفع عنه، إلا أن تلك الغايات لا يشعر بها الحيوان ولا يفكر في شيء منها.

وكذلك أعمال المرء غير الإرادية لا تعتبر سلوكا له لخروجها عن نطاق تفكيره وإرادته. لم يبق بعد هذا إلا أعمال الإنسان الإرادية، فهي التي يصح أن تسمى في علم الأخلاق سلوكا يوصف مرة بالحسن وأخرى بالقبح، وإذن، فلنا أن نعرف السلوك ب «أنه أعمال المرء الإرادية المتجهة نحو غاية معينة مقصودة» كقول الصدق والكذب، وأعمال الشجاعة والجبن، والكرم والبخل، ونحوها.

والسلوك مظهر الخلق، ودليله ورمزه وعنوانه؛ لأن الخلق إذا كان حالة للنفس داعية لها إلى أفعالها، أي حالة نفسية باطنية، فإن السلوك هو الأفعال التي تصدر عن هذه الحالة الراسخة الكامنة في النفس. (1-2) علاقته بالخلق

من ذلك يتضح أن علاقة السلوك بالخلق هي علاقة الدال بالمدلول، فإذا كان السلوك حسنا دل ذلك على خلق حسن، وإن كان سيئا دل على خلق قبيح، ومن هذا التلازم بينهما نستطيع أن نتنبأ غالبا بأعمال المرء متى علمنا خلقه، كما نستطيع أن نعرف أخلاقه من أعماله، فإذا تكونت جماعة من محبي الخير لجمع التبرعات لمنكوبي الملاريا بأعلى الصعيد، يكون من السهل أن نتعجل القول بأن فلانا سيسارع للتبرع بقدر طاقته، وأن فلانا سيقبض يده فلا ينزل عن فلس واحد مما حباه الله به من غنى واسع عريض، نستطيع أن نتعجل القول بهذا لما نعلمه من تخلق الأول بخلق الكرم الذي يدعو للبذل عند دواعيه، وتخلق الآخر بخلق البخل الذي يجعله يشح بالقليل مع توفر دواعي الكرم والجود.

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٣١