تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللصحف والمجلات، ودور الخيالة والتمثيل، والتقاليد التي يحيا المرء في ظلها، والحكومة التي تسوس أموره، والقوانين التي يحكم بها، والنظم التي يخضع لها، وما يقوم به من سياحات وأسفار، وسائر النواحي الأخرى للبيئة الاجتماعية؛ لكل من ذلك أثره وخطره في تكوين عادات الإنسان وأخلاقه، وذلك ما لا يحتاج لبيان.

على أننا نود أن نبين أن الناس بالنسبة للتقاليد والعادات والنظم العامة التي تواضعت عليها الأمة، وتعدها جزءا من كيانها الاجتماعي، وتفديها لهذا بكل مرتخص وغال؛ الناس بالنسبة لتلك العادات والتقاليد ثلاث طوائف: (1)

طائفة ترى الفساد في بعض هذه التقاليد، فتخرج عليها وتثور ضدها، موطنة النفس على تحمل الأذى في هذا السبيل حتى تصل لما تريد من إصلاح. هؤلاء هم العباقرة الذين تفخر بهم الأمم، وأصدق مثال لهم الرسل والأنبياء، فقد كان من الصعاب التي اعترضت الرسول الأعظم

صلى الله عليه وسلم

تقاليد قومه الضالة، وترديدهم دائما قولهم:

إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون . (2)

طائفة تنحط عن مستوى تلك التقاليد والنظم والعادات، فلا ترعى لها حرمة، ولا تعترف لها بوجود، فهم في نضال معها يصيبون منها وتصيب منهم، حتى يهووا إلى الحضيض. وهؤلاء هم في الحالات المتطرفة المجرمون. (3)

هاتان الطائفتان هما الأقل عددا، وبجانبهم الطائفة الأخرى، وهم الذين يخضعون للأمة وتقاليدها، فلا يعدلون منها إلا بمقدار. وهؤلاء هم العاديون الذين يتكون منهم معظم الأمم والشعوب. (ج) الموازنة بين البيئة والوراثة

غلا بعض العلماء وزعموا أن الوراثة هي يد القدر، وأن ليس للبيئة أمامها من أثر يذكر. كما غلا آخرون وقالوا: إن ما يشاهد من تكمل في الأخلاق ليس له أسباب وراثية مطلقا، وإن كل ذلك أثر البيئة.

من الأولين «شوبنهور» الفيلسوف الألماني الذي يقول: «كل امرئ يسير بطبيعته الذاتية الثابتة التي لا تتحور، وإن ما به من طباع وغرائز كامن في نفسه كمونا راسخا لا يتحول»، وغيره الذي يرى أنه «بالوراثة يقدر على الإنسان نوع نفسه من يوم ولادته، وبها تصاغ أخلاقه، وبها تحدد بنيته، وبها يعين مقدار عقله، وأهم ما يساعد على رقي النوع الإنساني هو إصلاح الوراثة بإصلاح الانتخاب بين الزوجين، ومنع التوالد بين من لا يصلحون للإنتاج طبيعيا أو خلقيا.»

هكذا ذهب هؤلاء، وربما وجدوا في الأبحاث الخاصة بالإجرام والمجرمين ما يعضد ما ذهبوا إليه، فقد عني الدكتور «هكسون»، مدير معهد الأبحاث النفسية بشيكاغو، بفحص أحوال وظروف نحو أربعين ألفا من المجرمين، وكانت النتيجة أنه وصل إلى أن عوامل الوراثة أشد أثرا من عوامل البيئة، فالإجرام في رأيه شيء محتم لمن ولد من أبوين مجرمين، لا لمن يعيش في بيئة مجرمة، فكثيرا ما ينجو هذا من ذلك الداء الوبيل. ومن الحالات التي بحثها حالة طفل تبناه أحد أغنياء شيكاغو وعلمه التعليم العالي وحاطه بكل صنوف الرعاية، ولكنه نشأ لصا كبيرا رغم البيئة الفاضلة التي نشأ فيها، وظهر أن الوراثة هي صاحبة اليد في هذا المصير، فقد كان أبوه سكيرا وأمه عاهرا.

أما الآخرون أنصار البيئة فيرون أن ما يشاهد من تكمل في الأخلاق ليست له أسباب وراثية مطلقا، وأن كل ذلك من أثر البيئة، وفي ذلك يقول أحدهم: «إن الطبيعة لا تكون من عندها أخلاقا وغرائز، بل ما قد يكون منها فهو طارئ عليها من الولادة»، إلى أن يقول: «وعليه يتعذر اعتبارها فطرية متوارثة.» وقد يشهد لهذا الفريق نجاح كثير من المربين في اجتناب الأخلاق القبيحة وغرس الأخلاق الفاضلة في حالات كثيرة نشاهدها في كل حين.

والرأي الحق أن نقول بإجمال: إن لهذين العاملين الأثر كله في تكوين عادات الإنسان وأخلاقه، فالوراثة تمده بالغرائز والميول والاستعدادات المختلفة، والبيئة تميل به لناحية الخير أو الشر بما تتيحه له من فرص ومناسبات، أما أن نوازن بينهما، فنعرف بالدقة أثر كل منهما في تكوين الإنسان أدبيا وعقليا، فهذا مستحيل أو على الأقل لم يصل إليه العلم للآن.

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٢٩