تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن هل يقبل علم الأخلاق هذا العذر، فيعفي صاحبه من المسئولية الأخلاقية ويخرج هذه الأعمال وأمثالها من موضوعه؟ نستطيع أن نؤكد أن الجواب بالسلب لا بالإيجاب، فهذه الأعمال يبحث فيها علم الأخلاق، ويرتب على صاحبها مسئولية خلقية؛ لأنها وإن صدرت عن غير إرادة وتفكير، ولكن كان في الإمكان الحيطة لها وتبين نتائجها وقت الانتباه والاختيار، ويوافق هذا ما اختاره المحققون من المفسرين في معنى قوله تعالى:

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، فإن التماس عدم المؤاخذة على النسيان أو الخطأ دليل أن ذلك مظنة المؤاخذة واللوم والمسئولية.

وقصارى القول أن الأعمال التي يبحث فيها علم الأخلاق هي الأعمال الإرادية، والأعمال التي وإن كانت وقت صدورها لا دخل للمرء فيها ولا صلة له بها، ولكن كان من الممكن الاحتياط لها حين كان المرء في فسحة من الوقت له انتباهه واختياره. أما الأعمال التي ليست من هذا القبيل، كالآلية والمنعكسة، فليست من موضوع علم الأخلاق في قليل أو كثير. (3) تقسيمه إلى نظري وعملي

يجرنا البحث في تقسيم الأخلاق إلى أخلاق علمية نظرية وفنية عملية، إلى بيان معنى العلم والفن أولا.

العلم: اليقين، يقال علم إذا تيقن. وجاء بمعنى المعرفة أيضا كما جاءت بمعناه، ضمن كل منهما معنى الآخر لاشتراكهما في أسبقية الجهل كما «المصباح»، وفي رأي الفيروزابادي صاحب «المحيط» وابن منظور المصري صاحب «لسان العرب» أنه بمعنى المعرفة أيضا، يقول الأول: «علمه كسمعه علما: عرفه»، ويقول الآخر: «العلم نقيض الجهل». وجاء في دائرة المعارف الفرنسية أن العلم هو «المعرفة المضبوطة الصادرة عن نظر وتمحيص، المتعلقة بنوع محدد من أنواع المعارف»، كعلوم النحو والأدب والقانون والهندسة.

وفرق بين المعرفة العلمية

Connairrance Scientifique

والمعرفة العامية

Connairrance Vulgaire ، المعرفة العامية معرفة فردية جزئية؛ إذ هي ما يكونه المرء لنفسه من آراء وأحكام فيما يعرض من الحوادث الجزئية، يتأثر فيها بالآراء الموروثة والبيئة التي تحيط به؛ ولهذا لا تخلو من الأوهام والأخطاء، ولا تأخذ طابع العموم الذي لا بد منه في العلم. أما المعرفة العلمية أو العلم فهي المعرفة العامة التي سبيلها النظر والاستقراء والتمحيص، والتي تعنى بالتعليل ورد الظواهر إلى أسبابها وكشف قوانينها، وهي مع هذا دون المعرفة الفلسفية أو الفلسفة التي تضيف إلى معرفة علل الأشياء وكشف ما يقوم عليه العالم من قوانين بها تجري أموره، محاولة تعرف غاية هذا الوجود وتعرف الله الذي هو غاية الغايات.

ومهما يكن من فرق بين أنواع المعارف المختلفة: العامية، والعلمية، والفلسفية، فإن مدلول تعريف العلم، كما ذكرناه عن دائرة المعارف الفرنسية، هو بعض ما يطلق عليه لفظ العلم عند المؤلفين الإسلاميين، فقد جاء في حاشية البناني على السعد أن أسماء العلوم المدونة «نحو المعاني» تطلق على إدراك القواعد عن دليل، كما تطلق على معلوماتها، وهي القواعد التي يقوم عليها الدليل أيضا، وعلى الملكة الحاصلة من إدراك القواعد مرة بعد أخرى، أعني ملكة استحضارها متى أريد. وحقق السيد الجرجاني أن العلم في إطلاقه على الإدراك يكون حقيقة لغوية، وفي غير ذلك إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجاز مشهور.

أما الفن فهو كما جاء في المحيط: «الحال والقرب من الشيء كالأفنون، جمعه أفنان وفنون، وهو فن علم بالكسر: حسن القيام به»، وغني عن البيان أن حسن القيام بالعلم هو العمل به وتطبيقه عمليا، وكما جاء في بعض التعاريف الذي ذكرتها له دائرة المعارف الفرنسية: «هو تطبيق المعارف الحاصلة بالنظر والاستدلال بطرق خاصة، وهو يكتسب بالدراسة والتمرن»، مثلا فن التجارة: تطبيق قواعد خاصة تتعلق بالكسب وتنمية المال وتدبيره، وفن الطب: تطبيق عملي لعلم الصحة والأدواء وطرق الوقاية منها وعلاجها، وفن المحاماة: تطبيق القانون وأحكامه، وفن حكم الشعوب: تطبيق لقواعد السياسة العامة.

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٣