تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يبحث علم الأخلاق عن الأعمال الإنسانية من حيث القوانين والنواميس الطبيعية التي تجري على سننها، فقد تكلفت بهذه الناحية العلوم الطبيعية، ولا من حيث إقرار الجماعة التي يعيش المرء بينها لها أو إهدارها إياها، فذلك بحث القانون، ولا من ناحية ما رتب عليها من ثواب أو عقاب في الدنيا والآخرة، فهذه ناحية بحث العلوم الدينية؛ إنما يبحث علم الأخلاق في أعمال الإنسان الإرادية من ناحية مطابقتها للخير أو الشر، وفي توضيح معنى كل منهما، وهو بهذا يهدينا سواء السبيل، ويرشدنا إلى الغاية التي يجب أن نقصدها من أعمالنا. (2) موضوعه

موضوع كل علم هو مباحثه التي يعنى بدراستها. ونظرة إلى علم الأخلاق باعتباره فرعا من فروع الفلسفة ترينا أنه يتخذ هدفا لبحوثه مسائل عديدة هي التي تكون موضوعه، نراه يبحث في الخير والشر: ما هما؟ وما الفرق بينهما؟ وما هو المعنى الذي يلاحظ في هذا العمل فيكون خيرا، وفي ذاك فيكون شرا؟ وما هي ماهية الضمير الأخلاقي الذي به نقف على الخير والشر؟ وهل هو قاض معصوم، وهاد لا يضل في حكمه؟ وما هو الحق والواجب؟ وما هي الواجبات المختلفة؟ وما هو المثل الأعلى الذي يجب أن نتجه جميعا لتحقيقه؟ وأخيرا: ما هي القواعد التي تؤدي رعايتها وعدم الحيدة عنها للخلقية المثالية الكاملة؟

من هذا يتبين أن موضوع علم الأخلاق هو الأعمال الإنسانية الإرادية، أي الصادرة عن تفكير وإرادة من هذه النواحي المتشعبة كلها، ونقول «الأعمال الإرادية» لأن هناك أعمالا تصدر عن المرء وليست في شيء من موضوع الأخلاق.

وبيان ذلك أن من الأعمال التي تصدر عن الإنسان أعمالا لا دخل لإرادته ولا لتفكيره فيها، وذلك كأعمال الجهاز التنفسي والدموي والهضمي، وهذه هي الأعمال الآلية التي تحدث والمرء نائم أو يقظان، مفكر أو غير مفكر، ومنها أعمال منعكسة أي ناشئة عن سبب خارجي عن الجسم، مثل: اختلاج العين عند الانتقال فجأة من ظلمة إلى نور، وانقباض اليد عند وخزها، وهذه الأعمال كسابقتها لا كسب للمرء فيها ولا تتعلق إرادته بها. وإذا عرفنا أن علم الأخلاق يرتب مسئولية خلقية على الأعمال، تبين لنا بجلاء أن الأعمال غير الإرادية سواء أكانت آلية أم منعكسة ليست في شيء من موضوعه؛ لأنه لا يتدخل إلا حيث يكون القصد والاتجاه والإرادة.

على أن هناك نوعا آخر من الأعمال آخذا بشبه من الأفعال الإرادية وغير الإرادية، ومن ثم قد يشتبه الحكم فيها: أيتناولها علم الأخلاق فيصف بعضها بالخير وبعضها بالشر ويرتب على آتيها مسئولية، أم يكون فاعلها بنجوة من هذا كله؟ ويوضح معنى ذلك الأمثلة الآتية: (1)

من الناس من يأتي أعمالا وهو نائم، كالذي ينام ويترك المصباح مشتعلا بجواره ثم تبدو منه حركة لا يحس بها تقلب المصباح فتصيب النار شيئا تحرقه، أو يقوم وهو نائم فيعثر بطفل على مقربة منه فيصيب منه عضوا. (2)

شخص من عادته النسيان، علم أن جماعة يأتمرون بزيد من الناس، وأنهم اتخذوا لتنفيذ جنايتهم موعدا بعد يومين مثلا، فاعتزم تنبيه المؤتمر به، إلا أنه أرجأ ذلك حتى نسي الأمر، فإذا الجناية نافذة دون أن يملك لها ردا. (3)

رجل يعلم من نفسه أنه يثور للبادرة التي تبدر من غيره، وأنه إذا ثار تملكه الغضب وخرج عن وعيه، ومع علمه ذلك من نفسه ذهب لأحد الأندية التي هي مظنة إثارة غضبه فحدث ما كان يخشاه، وأتى بما يعد منكرا من الأعمال أو الأقوال.

بالتأمل نرى أن هذه الأعمال وأمثالها غير إرادية؛ إذ لم يتعمد النائم أن تتصل النار بأدوات الدار، ولا أن يكسر عضوا من الطفل النائم بجواره، ولم يتعمد كذلك الذي علم نبأ الاتفاق على قتل فلان من الناس ألا ينذره بالشر الذي بيت له، ولم يرد الغضوب في المثال الثالث سب أو ضرب من تعدى عليه حين أخذته سورة الغضب؛ لهذا كان لكل منهم أن يعتذر عن أعماله بأنه لم يفكر فيها، ولم تصدر عن إرادته.

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٢