تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد هذا التمهيد نقول: يتميز لدارس الأخلاق أن منها قسما يتوفر على درس المباحث النظرية وآخر يدرس المباحث العملية، الأول هو ما يعرف بالأخلاق العامة أو النظرية، والثاني ما يسمى بالأخلاق الخاصة أو العملية.

الأخلاق النظرية تدرس الضمير وماهيته ومظاهره من عواطف مختلفة (كالرضا والاغتباط والسرور الداخلي لفعل الخير، والألم والتأنيب والندم متى كسب المرء شرا)، وما يصدره من أحكام أخلاقية على مختلف الأعمال الإرادية (كالحكم على العامل بالخيرية أو الشرية)، وتتساءل عما إذا كانت علما من العلوم أي عملا من أعمال العقل أو هي وليدة التقاليد، وما هي الطريقة التي تتبع في تعرف المثل الأعلى الأخلاقي، كما تبين أركان المسئولية الأخلاقية مثل الحرية والإرادة، وتناقش مسائل الجبر والاختيار والثواب والعقاب، وأي البواعث يجب أن يكون باعثنا الوحيد في كل ما نأتي ونذر، وأي الغايات يجب أن تكون غايتنا العليا، وأي الأغراض يجب أن يكون الغرض الأعلى للإنسانية عامة، وما هو الخير والشر والمقاييس التي تقاس بها الأعمال لبيان خيرها من شرها، وما هو الحق والواجب وما يتصل بهما، وأخيرا تنقد النظريات المختلفة التي تواردت على هذه المسائل العديدة، وتجتهد في أن تجد حلا لها.

أما الأخلاق العملية فتبين وتدرس الواجبات المختلفة: واجب الإنسان نحو نفسه، نحو العائلة، نحو الوطن والدولة، نحو الإنسانية، نحو الحيوان، نحو الله تعالى، وبعبارة أخرى: تعرض لمباحث الأخلاق النظرية بالتطبيق على ظروف الحياة العملية المختلفة لتقول فيها كلمتها، ببيان ما يتفق مع معاني الخير والشر والحق والواجب. والمقاييس الأخلاقية تقول رأيها الفصل - كما تقدم - في الواجبات الشخصية والاجتماعية والإلهية وفي المشاكل الاجتماعية كحقوق النساء والعمال والاشتراكية والشيوعية، ونحو ذلك من المسائل التي تعرض للبحث في حياتنا الخاصة والاجتماعية.

ولنختم هذا البحث يجب أن نشير إلى رأي بعض الباحثين في الأخلاق من أنها علم ميزاني كعلم المنطق؛ إذ كان من مباحثها الهامة استنباط مقاييس تقاس بها الأعمال لبيان طيبها من خبيثها، وتعرف المثل العليا التي يجب أن تكون قبلتنا في أعمالنا، ووضع قواعد تعصم مراعاتها الإرادة من الجنوح للهوى والميل للشر، وغير ذلك من المباحث التي تقدمت الإشارة إليها. إلا أنها في رأيهم مع هذا لا تضع من الطرق ما يصل بنا لتحقيق المثل العليا الأخلاقية للسلوك الإنساني، فيكون أسلوب البحث فيها أسلوبا علميا نظريا محضا.

يقابل هذا الرأي ما يراه غير هؤلاء - وهو الرأي الذي أرضاه - من أن الأخلاق علم نظري أولا، ثم فن عملي ثانيا، تبحث كما سلف في المعاني الكلية العامة النظرية، مثل الخير والشر، والحق والواجب، والمقاييس والبواعث، والغايات والمثل العليا، وتبحث أيضا فيما يدعو لتحقيق هذه المثل وتلك الغايات، شأنها في ذلك شأن بقية المعارف كالهندسة وعلم الصحة ونحوهما تكون علمية نظرية أولا وفنية عملية بالتطبيق ثانيا. بهذا يكون للأخلاق قيمتها وخطرها من هداية الناس إلى سواء السبيل. (4) الغاية من دراسة الأخلاق

ما الثمرة المرجوة من دراسة الأخلاق؟ وما الغاية التي نبتغيها من هذا الضرب من الدراسة العلمية والعملية؟ وبتعبير آخر: هل لدراسة الأخلاق من فائدة نرتجيها؟

اختلف الفلاسفة أيما اختلاف في هذه المسألة؛ إذ بينا نرى «سقراط»

2

وهو من نعرف خطره ومكانته في الفلسفة القديمة يقول: «إن معرفة الفضيلة تكسبها، والجهل بها مصدر الرذيلة ومأتاها»، نرى كثيرا من الفلاسفة غيره يقررون أن ليس للعلم أثر في إصلاح النفوس، من هؤلاء العلامة الفرنسي باسكال

Pascal

الذي يقول: «إن الأخلاق الصحيحة تهزأ بعلم الأخلاق وتسخر منه»، وهربرت سبنسر

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٤