تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35 (ب)

يجيء بعد ذلك دور المنزل في تكوين الإنسان، وفيه يفهم الطفل العلاقات الاجتماعية الأولى، فيعرف معنى الطاعة للكبير، والعطف على الصغير، واحترام رأي الغير، ومعاونة الضعيف، كما يأخذ الطفل فيه عن الأسرة تقاليدها وعاداتها.

لسنا غالين فيما نذكره عن أثر المنزل في الطفل، وما ينشأ عليه من عادات وخلال يكون لها الأثر في مستقبله، فالأم هي المنبع الأول الذي يشرب منه الوليد نهلا وعللا، وهي كما قال «بستالوتزي»:

36 «مصدر كل تربية صحيحة يتشكل بها الطفل، فهي أول معلم له يحبه ويطيعه»،

37

وكما يقول «فروبل»

38

تلميذه: «إن أزمة الممالك معقودة بنواصي الأمهات، ومستقبل البلاد رهن بأيدي النساء»،

39

وكما يقول شاعر النيل:

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعبا طيب الأعراق (ج)

وبعد هذا تكون المدرسة، وهي الحلقة التي تربط المنزل بالعالم، فهي مجتمع صغير يصح أن يكون أنموذجا لما بعده من المجتمع العام. تقوم المدرسة بدور هام لا يقوم به المنزل في تربية الناشئ أدبيا، ذلك أن العلاقة بين الطفل ووالديه في المنزل تقوم على المحبة والرحمة، وهذا ما يجر كثيرا إلى الإغضاء عما يقترفه الطفل من مخالفات خلقية، أما في المدرسة فالمعاملات فيها تكون حسب ما رسمه الله في قوله:

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، فيها تبصير الطفل بما يأتيه ومحاسبته على كل ما يصدر منه، وبذلك يفهم معنى المسئولية، ويخلص من كثير من الصفات السيئة التي قد تكون علقت به في حياته المنزلية التي للتسامح في مجال كبير.

كذلك المدرسة محل اجتماع كثير من الأولاد، والاجتماع مظهر السجايا، ومحك الأخلاق، وبذلك يقف المربي على أخلاق كل طفل، فيعمل على تهذيب الشاذ وإنماء الصالح منها. يضاف إلى هذا ما في الاجتماع من تنشئة الطفل على كثير من العادات والأخلاق الفاضلة، فالأناة والحلم، ومحبة الغير واحترام حقوقه، والتعاون وإنكار الذات وحسن العشرة ... كل هذه الفضائل وما إليها لا سبيل إلى غرسها إلا بالمعاشرة والاندماج في المجتمعات الرشيدة، ومنها معاهد التعليم. (د)

وللرفاق الذين يصطفيهم المرء لعشرته أثر بالغ فيما يشب عليه من ميول وعادات، وما يتخلق به من شيم وخلال، ومن هنا قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: «ما من شيء أدل على شيء، ولا الدخان على النار، من الصاحب على الصاحب»،

40

كما قال بعض الحكماء: «اعرف أخاك بأخيه قبلك».

41

المرء في حاجة ماسة للصديق في حاليه من اليسر أو العسر، فيجب أن يعنى باختيار الصديق الفاضل والرفيق الصالح، فإن من طرق المرون على الفضيلة أن يعيش المرء مع أناس أخيار،

42

كما يقول أرسطو المعلم الأول، ويعترف به من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. أما الرفاق الذين لم يرزقوا حظا من الأخلاق الفاضلة والسجايا الكريمة فهم «مع عدم ثباتهم في محباتهم لا يتبادلون إلا سيئ الإحساسات»،

43

ولذلك «يفسد بعضهم بعضا بمقدار ما يقلد بعضهم بعضا»، وهذا رأي أرسطو أيضا في صداقة الأشرار، وهو رأي حق تؤيده المشاهدات، فإننا لن نجني العنب من الشوك، ولا الشهد من الصاب.

هذا، ويكفي لبيان أثر الرفاق الذين يصاحبهم المرء ويتخذهم خلانا ما قصه الله علينا في كتابه الكريم؛ إذ يقول:

ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا . ونتبع هذا ببيان أثر صديق الخير وصديق السوء في صديقه كما ذكره الرسول الحكيم

صلى الله عليه وسلم ، إذ يقول: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد؛ لا يعدمك من صاحب المسك إما أن تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثا.» (ه)

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٢٨