البيئة الطبيعية
للبيئة الطبيعية دخل كبير في أخذ كل من النباتات والحيوان شكلا خاصا يناسب الإقليم الذي نعيش فيه، نجد الجهات الباردة يتميز نباتها بالقصر والضئولة، وحيوانها بسمك الجلد ووفرة الفراء، وبجانب هذا نشاهد الأشجار والحيوانات الضخمة في الجهات الحارة، كما نعرف للحيوانات المائية جهازا للتنفس يخالف ما للحيوانات البرية بحيث يساعدها على استخلاص «الأكسجين» من الماء واستنشاقه.
وهناك مثل يكاد يلمسه كل منا يدلنا على فعل البيئة الطبيعية وأثرها، ذلك هو الفرق الكبير بين أي نوع من النبات - كالذرة أو القمح أو القطن مثلا - يزرع في غير الفصل الخاص به، وبين هذا النبات نفسه متى زرع في فصل زرعه المعتاد.
وكما يكون للبيئة الطبيعية أثر إيجابي يكون لها أثر سلبي، فهي قد تساعد شيئا من الصفات الموروثة الكامنة على الظهور، كما قد يكون أثرها تعطيل صفة من الصفات الفعلية بتفويتها الفرصة التي كانت تظهرها وتنميها. ولنا في تجربة أجراها الأستاذ «نجيلي»، أحد علماء النبات، دليل واضح على تأثيرها الإيجابي، ذلك أنه أخذ فسائل صغيرة من نباتات الألب وغرسها في «ميونخ» فكبر حجمها عن أصلها، ثم أخذ بعض هذه النباتات واستنبتها بجبال الألب ثانية فتضاءلت شيئا فشيئا حتى عادت سيرتها الأولى. كما نجد في عمى الخيل التي ظلت الأعوام العديدة تعمل في الظلام بالمناجم دليلا على تأثرها السلبي، فقد جاءها ذلك من البيئة التي اضطرتها لإهمال استخدام حاسة الإبصار فيها.
وأخيرا، فالباحث المدقق في مملكتي النبات والحيوان يرى أثر البيئة الطبيعية واضحا تماما، سواء أكان ذلك الأثر صغيرا أم كبيرا؛ إذ قانون البيئة وهو «تعديل الكائن الحي نفسه حسب ما يحيط به»، لا يكاد يقبل هوادة ولا استثناء، أو بتعبير آخر: إن نصيب من يعصي هذا القانون هو السقوط صريعا في معركة الحياة.
أثرها في الإنسان
وربما يخيل إلينا، وقد نظرنا للوراثة وآثارها في الإنسان، أنها العامل الوحيد فيما يرزقه المرء من صحة وسقم، وما يقدر له من قوة أو ضعف في الفكر، وما يشب عليه من عادات وأخلاق؛ لا، ليس الأمر كذلك، فللبيئة أثر غير قليل في هذا كله.
هذا ابن خلدون يحدثنا عن تأثير الأقاليم في السكان آثارا مختلفة، ويقول عن سكان الأقاليم المعتدلة: «إنهم أعدل أجساما وألوانا وأخلاقا»،
31
ولهذا كانت هذه الأقاليم كما يقول: «مهد الرسالة ومبعث الأنبياء، ذلك أن الأنبياء والرسل إنما يختص بهم أكمل النوع الإنساني في خلقتهم وأخلاقهم»،
32
أما غير هؤلاء من سكان الأقاليم البعيدة عن الاعتدال فنراه يقول عنهم: «إنهم أبعد عن الاعتدال في جميع أحوالهم»،
33
كما نراه يتبع هذا الحكم العام بقوله: «وأخلاقهم مع ذلك قريبة من أخلاق الحيوانات العجم.»
34
ولنا في الفروق الملاحظة بين أهل مصر والحجاز والشام وفرنسا والعراق والمغرب ومن إليهم، وبين السودانيين والأحباش والأمم المغولية ومن والاهم؛ دليل واضح على ما يقول ابن خلدون من تأثير البيئة الطبيعية في الأجسام والعقول والعادات والأخلاق. ولننظر إلى أهل البلاد الحارة، نجد الكسل والتواكل والخفة والطيش وعدم الاكتراث، ونرى اليقظة والتفكير في المستقبل البعيد من الصفات الغالبة على سكان الأقاليم الباردة، والسبب في هذا أن الحرارة تبعث على الخمول وأن البرد يتطلب حركة مستمرة في كل آن.
البيئة الاجتماعية وآثارها (أ)
أول بيئة اجتماعية للطفل بطن أمه، حيث تتدرج بذرته الأولى من نطفة إلى علقة ثم إلى مضغة حتى تصير خلقا سويا، في هذه المرحلة لا يكون الجنين بنجوة من التأثيرات التي تتناول أمه. يقرر توماس هوب، أحد علماء الإنجليز في القرن السابع عشر، أن ما نشأ عليه من الجبن مأتاه ما تملك أمه وهي حامل به من الخوف حينما كان الأسطول الإسباني يهدد بلادهم.