تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ذكر الأستاذ الأبياري، وهو بسبيل الحديث عن وراثة العقليات الممتازة والعقليات المنحطة؛ أن من الحالات الأولى المعروفة عائلة «دارون» التي وصل خمسة عشر شخصا منها إلى عضوية الجمعية الملكية بإنجلترا. كما أشار في الناحية الثانية إلى أسرة تعيسة هي أسرة «جون لوك» المشهورة بمدينة «نيويورك»، فقد تبين من دراسة تاريخها بدقة أن بين 2100 نفس منها، وهذا العدد ثلاثة أخماسها، كان 378 من العاهرات، و181 من السكيرين، و170 متسولا، و129 متشردا، و118 مجرما، وأن حوالي نصف العائلة كان مصابا بالضعف العقلي الذي كان آفة الأبوين الأولين؟

17

هذا، ومن الخير أن نفرد الغرائز ووراثتها بكلمة خاصة لما لها من أثر بالغ في تكوين الخلق. (و) الغرائز والوراثة

ينكر «هربرت سبنسر» الوراثة العقلية؛ إذ يرى أن لا عقل للطفل حين يولد، وأن عقله هو مجموعة ما يجيء له بعد من الأفكار والمعلومات، كما ينكر الغرائز والميول الطبيعية والاستعدادات الفطرية.

18

ويذكرنا هذا الرأي بما يراه الغزالي الذي يذهب مذهب المنكرين للوراثة العقلية، حين يقول: «والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة تعيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه.»

19

هذا ما يقوله هذان العلامتان، فهل أصابا محجة الصواب؟ إن نظرة إلى بعض الغرائز ترينا كيف ننتقل بالوراثة من جيل إلى جيل. ها هي ذي غريزة المنافسة من الواضح أنها لم تخلق مع الإنسان الأول؛ إذ لم يكن ثمة من ينافسه، وبعد حين من الدهر تكاثر الناس وتسابقوا في نيل وسائل الحياة، فوجدت هذه الغريزة التي توارثها الأجيال، وغدت دعامة متينة في التربية والأخلاق، كذلك قد يشعر الكثير منا بالخوف إذا أجنه الظلام، مع أن له في سهر رجال الأمن وإحكام داره ما كان جديرا بدافع غائلة الخوف عنه لو أن الأمر يرجع لمؤثرات خارجة فحسب، ولكن الأمر فوق هذا، فذلك الخوف مرده الوراثة، فهي التي أورثته هذه الغريزة عن أجداده الأولين الذين لم يكن لهم من وسائل الأمن ما لنا الآن.

ونعود إلى رأي الغزالي فنقول: إنه في رأي بعض الباحثين يمثل الفلسفة القديمة التي تقول: إن الطفل يولد صحيفة بيضاء، للمربي أن ينقش فيها ما يشاء. على أننا لو اعتمدنا المذهب القائل بأن الصفات والأخلاق نفسها لا تورث وإنما الذي يورث هو الاستعدادات لها، وهو رأي محترم في أوروبا؛ لكان الرأي الذي ذهب إليه الغزالي لا غبار عليه ، وخاصة وحديث: «كل مولود يولد على الفطرة» يعضده ويشهد له.

أما «سبنسر» فالأمر معه سهل، فهو وإن أنكر الوراثة العقلية فقد جعل للوراثة الجسمية التي لا ينكرها شأنا في العقل؛ إذ يرى أن الأطفال مختلفون في استعداداتهم المادية، وأن لذلك أثرا في الروح قل ذلك أو كثر، ولذلك يعترف بأنه كثيرا ما يعجز المربي - مهما بلغ من حذق وأنفق من جهد - عن الوصول إلى ما يريد من الغايات.

20

من هذا نرى أنه لا فرق في النتيجة بين «سبنسر» والمثبتين للوراثة العقلية ما دام الكل يعترف بأن الطفل يخرج للحياة وفيه بعض الاستعدادات أيا كان مصدرها التي تمد للمربي يد العون في تربيته وتهذيبه. (ز) سبيل توزيع الصفات الوراثية

ليس من شك الآن في أن الوراثة حق، فكأين من آية تدل عليها، وما أكثر الظواهر الطبيعية التي لا تفسر إلا بها! لكن الباحثين فيها راعهم ألا يجدوا اطرادا في وراثة الفرع لكل الصفات التي تورث عن أصله، فشرعوا يتعرفون السنن التي تتبعها الطبيعة في هذا السبيل، وأشهر من بحث في ذلك هو العلامة مندل

Mendel

النمسوي،

21

الذي بحث كثيرا وقام بتجارب مختلفة حتى اهتدى إلى النظرية التي عرفت باسمه.

أجرى هذا الباحث تجاربه على نبات البسلة الذي كان موجودا منه أنواع مختلفة الطول واللون في حديقة الدير الذي كان قسيسا له، بأن لقح بعضا من النوع الطويل بآخر من القصير فكان الناتج كله طويل الساق، ومعنى هذا أن صفة الطول قد تغلبت وكمنت الصفة الأخرى. ثم استنبت الفصيلة الناتجة ولقحها بعضها ببعض فرأى ما أدهشه، وهو أن ربع الناتج كان قصيرا والباقي كان طويلا! استنبت مرة أخرى هذه الفصيلة الأخيرة ولقحها تلقيحا ذاتيا كذلك فكان الأمر عجيبا؛ إذ كان نسل الربع القصير قصيرا مثله، وقد كرر زرعه فلم ينتج إلا قصيرا، وكان ثلث الباقي طويلا ولا ينتج إلا مثله دائما، وكان الباقي بعد ذلك من النوع الطويل لكن فيه صفة القصر مكسوفة كامنة، لهذا كان باستنباته يعيد السيرة الأولى، فينتج قصيرا وطويلا بالنسبة السابقة، أي أن الربع ظل قصيرا خالصا، والربع كذلك كان طويلا خالصا، والنصف كان طويلا فيه صفة القصر كامنة.

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٢٣