هذا ما يقوله العلم الحديث، ومنه نرى أن «فيزمان» قد أصاب الحق فيما ذهب إليه، فهذه الألياف ليست شيئا آخر غير ما أطلق عليه اسم «المعينات أو المحددات»، والمادة الجرثومية أو مادة التناسل لا تفرزها خلايا الجسم - كما يقول «دارون» - بل هي مادة مستقلة تتكاثر من نفسها، وتستمر مدى الحياة، كما يحدثنا «فيزمان» في نظريته.
على أنه يجب قبل الانتقال لبحث جديد أن نذكر أن الطفل، وقد تكون من معينات من الأم والأب، ليس من المحتم أن يظهر فيه حتى بعد أن يكمل نموه كل صفات والديه في صورة فعلية، بل قد يظهر بعضها ويكمن البعض الآخر حتى تحين لها الفرصة فتظهر في إحدى طبقات نسله القريبة أو البعيدة؛ جاء في ذيل «تاريخ بغداد» لابن النجار في ترجمة علي بن نصر الفقيه أنه قال ما معناه: زوجت أحد غلمان عضد الدولة بن بويه صبية في جوارنا فولدت له ولدا استحيت أن تريه له، فشكا إلي ذلك، فذهبت إليها فأسرت لي والدتها أن ولده أبلق، أي أنه من رأسه إلى سرته أبيض، وبقية بدنه أسود، فلما سمع التركي قولها «أبلق» صاح: «ابني ابني! وهكذا كان جدي في بلاد الترك.» (ه) ماذا تنقله الوراثة؟
ليس الواحد منا إلا أداة اتصال بين الماضين والآتين، فهو سجل تاريخي نعرف منه كيف كان الأسلاف والأجداد، وينقل ما هو مطبوع فيه من الصفات الوراثية إلى خلفه، بذلك تحفظ خصائص النوع البشري، والمميزات القومية التي لكل أمة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. (1)
ينتقل بالوراثة كثير من الصفات الجسمية كالطول والقصر والنحافة والغلظ ولون الجسم والشعر والأعين مثلا. وكما تنتقل بها هذه الصفات الجسدية العادية، تنتقل الأوصاف الشاذة الراجعة لعيوب التكوين. هذا «دارون» العلامة في العلوم الطبيعية يقول في ذلك ما نصه:
إذا كان من المقرر أن الاختلافات حتى أكثرها شذوذا والتي لا تنطبق على جنس معلوم، كنقص بعض الأصابع والأظفار أو زيادتها وكالجهر وتشقق الجلد وغيرها، تنتقل في النسل بحرص؛ فكم بالحري ينبغي أن يكون كذلك في الاختلافات العادية التي يصح عليها جليا ناموس الوراثة؟!
14
ولا يعنينا بسط الكلام على هذه الصفات ونحن نبحث عوامل تكوين الخلق، إنما الذي يجب أن نعنى ببحثه هنا هو أثر الوراثة في الصفات الأدبية والعقلية. (2)
وللوراثة كذلك دخل كبير في تكوين المرء أدبيا وعقليا، فشهوات الإنسان وميوله، وغرائزه وأمزجته، وما تركز فيه من عادات وأخلاق، وما وهبه من استعداد للذكاء، وقوة في مظاهر الفكر ونواحيه قد تسمو حتى تصل للعبقرية أحيانا، وما يرزأ به من ضعف في العقل والتفكير قد يشتد حتى يكون صورة من صور البله أو الجنون؛ كل هذه الصفات والاستعدادات نرى للوراثة قسطا كبيرا في تكوينها، فهي لا تني لحظة عن نقل صفات الأجيال الماضية للحاضرة والقادة متى وجدت إلى ذلك سبيلا.
15
وفي هذا المعنى ننقل كلمة للدكتور «شبلي شميل» في شرح مذهب «دارون» في النشوء والارتقاء، وما للوراثة من قيمة فيه، وها هي: «وكما أنها تنقل الصفات الجسدية تنقل أيضا الصفات الأدبية كالشهوات والأميال والعوائد والأخلاق والعقل ... إلى غير ذلك».
16
ويحسن أن ننبه من أول الأمر إلى أن المراد من وراثة هذه الصفات وغيرها في أغلب الحالات هو وراثة الاستعدادات لها، أما ظهورها بالفعل فيتوقف على البيئة. ومع هذا فليس من الضروري أن تظهر في النسل تلك الصفات الموروثة على النحو التي كانت عليه في الآباء، بل قد تبدو في صور شتى ترجع كلها في نوعها لتلك الصفة الموروثة؛ ولهذا «قد نرى الأبوين العصبيين ينسلان أولادا مختلفين؛ أحدهم فنان، والآخر معتوه، والثالث شاعر حاد العواطف، والرابع سكير مفرط، والخامس واعظ عظيم، فنراهم كلهم من واد واحد من حيث حدة الانفعال، ولكنهم اختلفوا بين نافع وضار تبعا لقدر الإرث والبيئة»، كذلك الأبوان الشاعران قد يكون لهما ابن موسيقار وآخر رسام وثالث مثال، ومعنى هذا أنهم ورثوا عن أبويهم الفن الجميل، ولكن تلك الصفة الموروثة ظهرت فيهم على صور مختلفة.