تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك أجرى مثل هذه التجربة على اللون، ثم على بعض الحيوانات كالأرانب والدجاج والحمام، فكان صدى هذه التجارب كلها قانونه الذي عرف باسمه. وبهذه النظرية أو هذا القانون - وإن لم يطرد نجاحه دائما - أمكن الحصول على أجود الأنواع في النبات والحيوان.

22 (ح) وراثة الصفات المكتسبة

الصفات المكتسبة هي الصفات التي تصيب المرء في حياته الخاصة لعوامل خاصة به، دون أن يكون لأحد من أسلافه نصيب في شيء منها، مثل آثار الجروح التي تعتري المرء واسمرار بشرة الأبيض الذي يقيم في بلاد حارة، غير مقتف في ذلك أثر أحد من آبائه الأقربين أو الأبعدين. (أ)

وقد اختلف العلماء في وراثتها، فقال بذلك بعضهم وأولهم «دارون» وسائر أشياع مذهب النشوء والارتقاء. وهذا الرأي من دارون يتفق مع نظريته في حقيقة الوراثة التي تتلخص كما قدمنا في أن الجسم يفرز حين اللقاح أجزاء صغيرة من كل عضو يتكون منها الجنين، فمن الطبيعي إذن على رأيه أن تتمثل في هذه الأجزاء صفة كل عضو على حالته التي يكون عليها حين اللقاح.

ويسوق «دارون» لدعم رأيه حالات كثيرة ظهرت فيها وراثة هذه الصفات، ثم يقول: «على أن ما نلحظه في أنواع البقر والماعز الحلوب المستولدة في أقاليم يكثر حلبها فيها، لمثال يبين لنا أثر الاستعمال والإغفال، فإن كبر حلماتها صفة وراثية فيها، ويتضح ذلك من مقارنة هذه الأعضاء فيها بما لأنواعها غير الحلوب في أقاليم أخرى.»

23

على أنه لا يقول مع هذا باطراد وراثة الصفات المكتسبة، بل ولا غير المكتسبة؛ ولهذا نراه يقول أيضا: «إن السنن التي تخضع الوراثة لمؤثراتها مبهمة لدينا غالبا، ولا يتسنى لأحد أن يستجلي غامض ذلك السر الذي تورث به الصفات الخاصة في أفراد النوع الواحد في حين ولا تظهر موروثة في حين آخر.»

24

هذا، ولا يقتصر أنصار هذا الرأي على البحوث النظرية أو المشاهدات الخاصة، بل كثير منهم قام بتجارب متعددة لإثبات رأيهم على كثير من الحيوانات،

25

وقد يعزز نظريتهم ما تراه من أن الحيوانات التي تضطر إلى سكنى الكهوف ونحوها من الأماكن المظلمة، تتعدل أعضاؤها حسب بيئتها الجديدة، فيتغير كثير منها لعدم الاستعمال، وينشأ أولادها على غرارها الجديد. (ب)

هذا بعض ما يؤيد به أنصار وراثة الصفات المكتسبة رأيهم، أما المعارضون لهم فيقولون: نجد الصينيات يحاولن منذ قرون تصغير أقدامهن، ومع ذلك لم يظهر أثر لذلك في الأعقاب (الأبناء والأحفاد)، كما أن عادة الختان لا يظهر لها أثر في النسل رغم وجودها منذ أزمان طويلة بين اليهود والمسلمين، ومثلها عادة الوشم شائعة عند بعض القبائل بأفريقيا وغيرها منذ أزمان بعيدة، ولم نر طفلا ولد وقد ورث تلك الآثار. (ج)

والذي نراه حقا هو ما يراه العلامة «فيزمان»، وهو أن «الصفات المكتسبة لا تنتقل بالوراثة ما لم تؤثر في المادة الجرثومية وتحدث بها تغيرا»، وهذا إنما يكون إذا تسببت عن مؤثرات طبيعية تطاول بها الزمن، كسواد البشرة لطول الإقامة في المناطق الحارة. أما الصفات الناشئة عن عوارض فجائية كالعاهة التي سببها كسر عضو مثلا، فأثرها لا يعدو أن يكون سطحيا لا يستطيع أن يتغلغل حتى يصل لخلايا جرثومة الحياة. ولعل هذا الرأي يفسر لنا وراثة الصفات المكتسبة تارة وعدم وراثتها تارة أخرى.

وهذا الرأي لا يخالف رأي العلامة «ريبو»، وهو من أشهر علماء النفس الفرنسيين،

26

الذي يقول: «يمكننا أن نفهم بصفة عامة أن التشوه المسبب عن حوادث، وكذلك البتر وتحطيم الأعضاء فجاءة، كل ذلك لا ينتقل بالوراثة ...» إلى أن يقول: «يوجد نوع من التغييرات المتسببة عن فعل بطيء ذي أثر في الكائن كالغذاء والتربية، وإن تجارب المعلمين لتؤيد أن بعض الصفات المكتسبة تورث.»

وواضح أنه يريد من قوله: «وإن تجارب المعلمين ... إلخ» أن تلك الصفات التي تورث هي الناشئة عن مؤثرات طبيعية؛ لأنها التي يكون أثرها بطيئا.

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٢٤