تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاء العرب فرأينا منهم من مهر في القيافة، حتى ليكون قوله الفصل في بنوة متنازع فيها، فما هو إلا أن يوازن بين أعضاء من الولد وأخرى ممن يزعم أنه أبوه حتى يتبين له الحق من الباطل، وواضح أن البراعة في هذا شيء من معرفة آثار الوراثة الجسمية، وفي ذلك يقول الشاعر العربي:

ورثنا المجد عن آباء صدق

ونورثه إذا متنا بنينا

كل ذلك، وما إليه كثير، فيه دلالة واضحة على أن الأقدمين لم تفتهم معرفة أن في الكون قوة لها آثارها، وإن لم يفقهوا كنهها، حتى جاء العلم الحديث - الذي عرف عن تلك القوة الشيء الكثير - مؤيدا للسنة الصادقة، إذ يقول

صلى الله عليه وسلم : «تخيروا لنطفكم؛ فإن العرق دساس.» (ب) تعريفها

إن نظرة إلى أفراد سلالة نباتية أو لسرب من الظباء مثلا أو لأسرة تضم الأجداد والأبناء والأحفاد، ترينا أن بين كل من هذه الأصول وفروعها شبها من نواح عدة وإن اختلف قوة وضعفا بحسب شدة أثر الوراثة أو ضعفه، ولاختلاف ذلك التشابه قال بعض علماء الوراثة: «إن المثل ينتج غير المثل»، يعنون أن هذه المشابهة وإن اشتد خطرها فإن إلى جوانبها فوارق عديدة تفرق بين المرء وأصله. ويقول آخرون: «إن المثل ينتج المثل»، ويريدون بذلك أن في الفرع استعدادا لمشابهة أصله فيما له من خصائص ومميزات.

من هذا نرى أن كلا من هذين القولين يكمل الآخر، وأن المراد من الوراثة أن الجسم الحي يلد آخر يشبهه، وأننا نستطيع أن نعرف الوراثة بأنها «انتقال بعض صفات الأصل لفرعه، قل ذلك أو كثر.» (ج) النظريات الوراثية

لاحظ علماء الحياة أن الفرع يمت لأصله بكثير من صفاته ومميزاته، لكنهم وقفوا أول الأمر حيارى في تعليل ذلك. ومن أشهر من بحث هذا الموضوع الأستاذان الطبيعيان «دارون»

12

و«فيزمان».

13 (1)

يرى دارون أن هناك أجزاء صغيرة جدا تقتطع من كل خلية من خلايا الجسم حين التلقيح وتسبح في جسمي الذكر والأنثى حتى تصل إلى أعضاء التناسل. وهذه الأجزاء، وهي بمثابة سفراء عن خلايا الجسم المختلفة، تحمل في طياتها كل ما يمكن أن يورثه الأصل لفرعه، وهي قابلة للتكاثر والانتقال من جيل لآخر، وبذلك نستطيع أن نفسر التشابه بين الأجداد والأحفاد.

على أننا لا ندري كيف يفسر دارون أن يلد أقطع الذراع مثلا ابنا صحيح الذراعين! كذلك لم يثبت لنا العلم وجود هذه الأجزاء التي زعم أن خلايا الكائن الحي تفرزها حين اللقاح؛ لذلك لا نعجب إذا رفض كثير من العلماء، ومنهم من كان معاصرا لدارون نفسه، هذه النظرية، ورأوا أن هناك منبعا دائما لجراثيم الحياة، وأنها في قرار مكين في الذكر والأنثى. (2)

وأما فيزمان، صاحب نظرية «اتصال المادة الأولية للحياة»، وأحد الذين رفضوا ما ارتآه دارون، فيرى أن ما في الإنسان من خصائص ومميزات يتمثل في صورة ذرات غاية في الدقة في خلاياه التناسلية يطلق عليها اسم «المحددات أو المعينات»، كما يطلق على مجموعها اسم «المادة الأولى للحياة»، وهذه الجراثيم أو المحددات لها منبع لا يغيض، وحين التلقيح تتحد بعض معينات الأب بأخرى من معينات الأم فيكون من ذلك نواة الجنين.

إلى هنا يتبين مدى الفرق بين هاتين النظريتين؛ ففي الأولى تتولد مادة التلقيح من خلايا الجسم العامة، وفي الثانية نرى أن تلك المادة متصلة مدى الحياة متوارثة بين طبقات النسل، لا دخل لخلايا الجسم العامة في تكوينها.

والآن وقد عرفنا رأي «دارون» و«فيزمان» في الوراثة وحقيقتها، يجب أن نعرف رأي العلم الحديث فيها. (د) حقيقة الوراثة

أثبت لنا علم تكوين الأجنة أن في نواة كل من خلايا التناسل في الذكر والأنثى عددا كبيرا من الألياف، وأن هذه الألياف هي حاملة العوامل الوراثية، وفيها تتمثل خصائص الشخص، وأنه عند عملية التلقيح تتحد خلية من خلايا الذكر التناسلية بأخرى من الأنثى، بعد أن تكون كل منهما قد انقسمت، ويصحب ذلك طبعا تخلصها من نصف ما كان فيها من الألياف. ويكون وليد ذلك الاتحاد النواة التي يتكون منها الجنين والتي تحتوي على خصائص الجنس والأبوين، وكثير من صفات الأسرة وعاداتها وميولها، ثم تنمو على نظام محكم حتى تصل إلى ما قدره الله لها من كمال.

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٢١