تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن هذين الرأيين يؤديان كما قال مسكويه: «إلى إبطال قوة التمييز والعقل، وإلى رفض السياسات كلها، وترك الناس جميعا همجا مهملين، وإلى ترك الأحداث والصبيان على ما يتفق أن يكونوا عليه بغير سياسة ولا تعليم، وهذا ظاهر الشناعة جدا.»

6

بقي أن نقول: إن الرأي الصحيح الذي يقبله العقل وهو مطمئن، وتعضده الملاحظة، وتدل عليه التجارب الصادقة، هو أن الطفل يخلق وفيه استعداد للخير والشر، وتوجيهه إلى ناحية الفضيلة عمل المربي الحكيم.

والأدلة على هذا الرأي كثيرة من كتاب الله وحديث رسوله وأقوال العلماء الأعلام؛ يقول الله في كتابه الكريم ممتنا علينا:

ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين ، والنجدان هما طريقا الخير والشر، ويقول أيضا:

إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ، ويقول الرسول الحكيم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.» الحديث.

7

ومن الحسن أن نلاحظ أن الرسول لم يذكر الإسلام مع هذه الديانات إشارة إلى أنه دين الفطرة، يألفه المرء نفسه بلا حاجة إلى علاج من الوالدين أو المربين.

ويقرر الغزالي أيضا في بيان الطريق في رياضة الصبيان أن «الصبي خلق قابلا للخير والشر جميعا، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين.»

8

كما يقرر ابن خلدون في مقدمته، في الفصل الذي عقده لبيان أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر، أن «النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر، قال

صلى الله عليه وسلم : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.»

غير أن استعداد الطفل في رأي ابن خلدون للخير أقوى من استعداده للشر؛ إذ يقول في موضع آخر من مقدمته: «لما كان الملك طبيعيا للإنسان لما فيه من طبيعة الاجتماع كما قلنا، وكان الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشر بأصل فطرته وقوته الناطقة العاقلة؛ لأن الشر إنما جاء من قبل الحيوانية التي هي فيه، وأما من حيث هو إنسان فهو إلى الخير وخلاله أقرب ...»

9

وأخيرا، ذهب إلى هذا الرأي سانتهلير؛ إذ يقول في مقدمته لترجمة أخلاق أرسطو:

إن الله لم يسو بين الناس جميعا فيما وهب من ميول الخير، كما لم يسو بينهم فيما قدر من ميول الشر.

والآن وقد وضح الصبح لذي عينين، وتبين أن في المرء حين يولد استعدادا للخير والشر، وأن أخلاقه لهذا تتغير على حسب ما يؤثر فيها؛ نتكلم عن الوراثة والبيئة، وهما العاملان اللذان لهما كل الأثر في تكوينه. (3) الوراثة والبيئة

10 (3-1) الوراثة (أ) تمهيد

ليست الوراثة وما لها من أثر بالأمر الذي يرجع علمه إلى هذه العصور الحديثة، بل علم ذلك عريق في القدم، أخذ منه الأولون بحظ غير قليل، وعملوا على الإفادة مما علموا؛ ليكون لأممهم شباب نقي الدم وقوي الجسم والعقل.

أدرك هذا المصريون القدماء، الذين يعتبرون في رأي بعض الباحثين الأوائل الذين استعانوا بالقانون لينزلوا الآراء والنظريات الخاصة بتحسين النسل منزلها من الجدارة والتقدير، فعملوا على نقاء دمهم بتحريم الزواج ممن كانوا يعتقدونهم دونهم في المنزلة من الأقوام الذين اتخذوا أعالي النيل مقاما وموطنا.

11

وأدرك ذلك اليونان القدامى، فأخذوا أنفسهم بوأد الطفل الذي يولد ضعيف الجسم غير متناسب الخلق، ونادى أفلاطون وأرسطو بأن من الخير سن قوانين خاصة بالزواج تبين من يسمح له بالزواج دون الآخرين؛ لأنه يجب أن تبدأ التربية قبل الولادة.

هؤلاء وأولئك، وتلك آراؤهم وما دعوا إليه من نظم، كانوا ولا شك على علم بالخطر الذي ينال أممهم إن أجازوا للشاذ الخلق أن يعيش وأن يكون منه نسل، وهذا الخطر الذي أحسوا به هو أن يرث نسل هؤلاء الضعاف أو المشوهين بعض صفاتهم.

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٢٠