3
وهذا التعاريف، وإن اختلفت ألفاظها وعباراتها، متفقة في معانيها ومدلولاتها، ولا تختلف جميعها عن التعريفين السابقين أول البحث؛ لأن هذه الهيئة أو الحال النفسية هى «العالم» الذي تقدم شرحه، واشتراط صدور الأعمال عنها بلا فكر مؤذن بأنها صارت للمرء عادة تصدر عن إرادته من غير تفكير، شأنها في ذلك شأن سائر الأفعال التي مبعثها المران والعادة التي تأصلت في النفس وأصبحت حالة لازمة لها راسخة فيها.
ولا يشكل علينا نفي التفكير والروية في الأعمال التي تصدر عن الخلق بما يجده المرء في نفسه؛ إذ من شأنه الكرم حين يدعو داعيه واعتزم أن يجود بمائة من الجنيهات مثلا، نراه يفكر في أي الجهات يدفع إليها هذا المقدار، وأي النواحي تمس الحاجة للبذل فيها؛ هل يمد بها ملجأ لليتامى، أو مستشفى للمرضى، أو جمعية الإسعاف، أو يساعد بها في بناء مسجد أو تعليم بعض الفقراء النابغين؟ هذه نواح يفكر فيها هذا الكريم، حتى إذا تبين له حاجة جمعية الإسعاف مثلا للعون سارع فأرسل إليها هذا المقدار الذي رأى الجود به. نقول: لا يشتبه علينا ما اشترطناه في الخلق من نفي التفكير والروية بما نشاهده في مثل هذه الحالة من الإمعان في التفكير؛ لأن هذا التفكير كان في الجهة التي يبذل فيها، لا في نفس وجوب الإعطاء الذي أصبح منساقا إليه انسياقا تدفعه إليه تلك الحال النفسية التي رسخت فيه فصارت له عادة وخلقا.
كذلك التروي في الخلق المكتسب يكون أول الأمر عند إرادة اكتساب خلق من الأخلاق، أما بعد أن يتم اكتسابه فلا روية ولا تفكير، ولهذا نجد مسكويه يقول: «ومنها - أي من الحالات النفسية التي هي الخلق - ما يكون مستفادا بالعادة والتدرب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر، ثم يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا.»
4
وأخيرا بعد ما تقدم كله لنا أن نعرف الخلق كما يقول بعض المحدثين بأنه «عادة الإرادة»، أو «إرادة كاملة التكوين»، أو كما يقول مسكويه بأنه «حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية»، وقد تبينا أن تعاريف الغزالي وغيره من الفلاسفة الإسلاميين لا تبعد عن هذا في كثير أو قليل. (2) تكوين الخلق والمؤثرات فيه
عرفنا مما تقدم حقيقة الخلق، وكيف يتكون من الناحية النفسية، وأنه يبدأ ميلا ضعيفا يشتد فيصير رغبة أو نية أو مرجوا، ثم يصير إرادة راسخة في النفس فخلقا تصدر عنه أعماله بيسر من غير حاجة إلى تفكير.
على أنه لا بد لنا إلى جانب هذا من بيان العوامل التي تكون الخلق عمليا، والمؤثرات فيه أثرا محمودا أو غير محمود، من الوراثة والبيئة بمعناها العام، وهذا ما يدعونا للكلام ولو بإيجاز عن فطرة الإنسان ومبلغ استعدادها للخير والشر. (2-1) الفطرة الإنسانية
اختلف الناس في فطرة الإنسان: هل هي خيرة أو شريرة بالطبع، أو فيها استعداد للناحيتين؟
رأى بعضهم أن الإنسان خلق خيرا بطبعه، وفي ذلك يرى سقراط أن نفس الطفل خباء للكمال لا تظهره إلا المناقشة والتحاور، كما يرى زينون مؤسس المدرسة الرواقية
5
أن الطبيعة العامة خير لصدورها عن الله وهو خير ولا يصدر عنه إلا خير، فالإنسان وهو أثر من آثار الطبيعة كذلك خير، كما كان يقول جان جاك روسو في كتابه «إميل»:
إن الطفل خير بطبيعته، والشر يأتي له على يد الإنسان.
ويرى آخرون أن الإنسان خلق شريرا بالطبع، فيجب الوقوف في وجه ميوله ونزعاته، وهذا هو رأي جمهرة البراهمة والبوذيين الهنود ومن تبعهم من مفكري العرب كأبي العلاء المعري، المتوفى سنة 449ه، الذي يقول:
فظن بسائر الإخوان شرا
ولا تأمنن على سر فؤادا
كما يقول من قصيدة أخرى:
وفضيلة النوم الخروج بأهله
عن عالم هو بالأذى مجبول
ويكفي لبيان فساد رأي هؤلاء وأولئك أن نتساءل: إن كان المرء خيرا بطبعه والشر يأتيه على يد الإنسان، فمن أين أتى الشر لهذا الإنسان حتى أعدى به غيره؟ وإن كان المرء مفطورا على الشر، فكيف نرى كثيرا من الناس خيارا فضلاء؟ هل قلدوا في ذلك غيرهم؟ وإذن فقد كان هؤلاء الأغيار خيارا بالطبع حتى صاروا قدوة صالحة.