تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا كان الحال في الأزمان القديمة؛ يراد من الفلسفة المعرفة العامة، المعرفة التي كما يقول «شيشرون»: «تضم الأشياء الإلهية والإنسانية، كما تشمل المبادئ والعلل لكل حادث خاص.»

ظلت الحالة كذلك زمنا طويلا، حتى تقدم العقل البشري وكثرت العلوم وتنوعت البحوث، فأخذت الفروع العلمية تنفصل شيئا فشيئا عن الأم الأولى وهي الفلسفة، وأصبحت معارف وعلوما مستقلة عنها، وبذلك حصل التخصص بين العلم والفلسفة.

صارت العلوم مختصة بالبحوث المادية، فكان منها ما يبحث في جسم الإنسان وأعضائه ووظائفها، وهذان هما علما التشريح ووظائف الأعضاء، وما يبحث في الأمراض التي تنتاب الإنسان وطرق الوقاية منها وعلاجها، وذلك علم الصحة وفن الطب، وما يبحث في أحوال الشعوب وماضيها وحاضرها، وهذا علم التاريخ، وما يبحث في وصف البلدان: جوها وسكانها وغلاتها، وهو علم الجغرافيا، وما يبحث في حركة الأرض والأجرام السماوية وأبعادها وسائر أحوالها المادية، وذلك علم الفلك ... إلى آخر العلوم الأخرى التي لا تكاد تتجاوز الجانب المادي من الناحية التي تبحث فيها.

بقي بعد هذا كله الصلات العامة التي تربط العلوم بعضها ببعض، والنواحي غير المادية من الكون والإنسان، والله وما يتصل به؛ للفلسفة.

بقي للفلسفة البحث في مبدأ الكون والنواميس التي يسير عليها والغاية التي ينتهي إليها، والبحث في العلة الأولى أو الموجود الأول، والجواهر الروحانية وهي الملائكة وما يتعلق بها، والوحي والبعث والحياة الآخرة وكيف تكون، وماهية الروح وأصلها وغايتها وكيفية تأثيرها في الجسم وهي من جوهر مغاير له، والبحث في الإنسان من الناحية المعنوية، أي محاولة تعرف العقل وطبيعته وقواه وآثارها ومظاهرها، وكيف يصل إلى ما ينبغي أن يبلغه من كمال، وبعبارة أخرى: بقي للفلسفة هذه النواحي من البحوث وأمثالها التي لا تتناولها العلوم على اختلافها. (4) تقسيم الفلسفة

للباحثين طرائق متعددة في تقسيم الفلسفة، فبعضهم يقسمها باعتبار الغاية منها إلى فلسفة نظرية غايتها المعرفة والعلم فحسب، وفلسفة عملية غايتها العمل والعلم وسيلة له، والمنطق مقدمة لا بد منها للبحث في هذا الضرب أو ذاك، والقسم الأول يشمل الفلسفة الإلهية أو فلسفة ما بعد الطبيعة، والفلسفة الرياضية والفلسفة الطبيعية، والقسم الثاني يشمل فلسفة الأخلاق والفلسفة المنزلية والفلسفة السياسية أو المدنية. وبعضهم يقسمها باعتبار موضوع البحث الذي هو الله أو العالم أو الإنسان، فتكون لذلك أقساما ثلاثة، هي: فلسفة ما بعد الطبيعة، وموضوعها الخاص الله وسائر ما لا يدركه الحس عامة، والفلسفة الطبيعية، وموضوعها العالم وما يشمل من الأشياء التي تقع تحت الحس وإدراكه، والفلسفة الإنسانية وموضوعها الإنسان من نواحيه النفسية المعنوية المختلفة، وتشمل علم النفس والأخلاق والمنطق.

وربما كان منشأ تسمية بعض أقسام الفلسفة ب «ما بعد الطبيعة» أن الذين رتبوا مؤلفات أرسطو جعلوا ما كان خاصا منها بالإلهيات ونحوها بعد ما كان خاصا بمباحث الفلسفة الطبيعية؛ ومن ثم نجد ابن خلدون يقول عن علم الإلهيات، وهو فلسفة ما بعد الطبيعة: «وهو تال للطبيعيات في ترتيبهم؛ ولذلك يسمونه علم ما وراء الطبيعة.»

6

هذا، والتقسيم على النحو الأول هو جوهر تقسيم أرسطوطاليس، وعلى النحو الثاني تقسيم بعض الفلاسفة والمفكرين المحدثين، وقد استوحى المسلمون في تقسيمهم الفلسفة تقسيم أرسطو فجعلوه أساسا لهم، وما يوجد بينهم وبينه في هذه الناحية من اختلاف يسير أو كبير، فمرجعه إلى ما تأثرت به الفلسفة اليونانية في طريقها للمسلمين من اعتبارات، وما أضيف إليها من فروع وبحوث.

والذي يرجع إلى «مبادئ الفلسفة القديمة» للفارابي، و«تسع رسائل» لابن سينا، و«مفاتيح العلوم» للخوارزمي، و«المقدمة» لابن خلدون، و«كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي؛ يرى أن الفلاسفة والمفكرين المسلمين بعد أن تكلموا في الفلسفة وتقسيمها اختلفوا في المنطق ومكانته من الفلسفة، هل هو مقدمة لها، أو جزء بين الفلسفة النظرية، أو جزء ثابت يبحث فيه من حيث إنه ناحية مستقلة لا آلة للعلوم؟

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ١٥