ومهما يكن من خلاف في تقسيم الفلسفة إلى أصول وفروع قد يتداخل بعضها في بعض، فإنه مما لا ريب فيه أن مما تبحث فيه الفلسفة تفكيرنا وإرادتنا وعواطفنا وإحساساتنا ومشاعرنا وسائر قوى الإنسان المعنوية، وذلك موضوع علم النفس،
7
ثم أفكارنا وإرادتنا تتجه إلى غايات لها، والعلم الذي يدرس هذه الغايات هو الأخلاق. والتفكير في بحثه عن الحقيقة يتبع طريقة معينة، فدراسة هذه الطريقة هو المنطق. وهذه الفروع الثلاثة، أي علوم النفس والأخلاق والمنطق، هي ما يكون العلوم النفسية، لأن كل واحد منها يتناول الجانب النفسي المعنوي في الإنسان من ناحية خاصة: علم النفس من ناحية ما فيه من قوى التفكير والإرادة والعواطف والمشاعر ونحوها، والأخلاق من ناحية توجه أعماله الإرادية إلى ناحية الخير ووضع قواعد لها، والمنطق من ناحية قيادة فكره ووضع قواعد تعصمه من الخطأ حين يبحث للوصول عن الحقيقة.
8
والخلاصة بعد ما تقدم من بيان أن لنا أن نقرر أن علم الأخلاق فرع من فروع الفلسفة الإنسانية أو النفسية، الشاملة له ولعلم النفس والأخلاق، والتي هي قسم من أقسام الفلسفة العامة. فمكانة علم الأخلاق إذن من الفلسفة هي مكانة الجزء من الكل، فهو غصن الدوحة الوارفة الظلال التي تؤتي أكلها كل حين، وتفيد الإنسانية فائدة لا يقدر قدرها. (5) صلة علم الأخلاق بغيره من العلوم
لا غنى عن علم الأخلاق لكثير من العلوم، كالتشريع والاقتصاد السياسي والتربية؛ إذ يبين المبادئ التي تعتبر أسسا لها، والتي بدونها تكون علوما خادعة ضارة؛ ومن أجل ذلك يسميه أرسطو بالعلم الجليل الخطر، العلم المنظم، العلم الأساسي.
لهذا، لا بد للباحث في علم الأخلاق من تبين الصلة بينه وبين ما يمت إليه من العلوم الأخرى بسبب من الأسباب؛ حتى يكون على بينة مما يرتبط منها ببحوثه. وها نحن أولاء نذكر كلمة عن هذا الموضوع مكتفين بذلك ببيان ما تمس إليه الحاجة من هذه العلاقات، وخاصة بينه وبين العلوم التي هي أمس به رحما وأقرب إليه وشيجة. (5-1) الأخلاق وعلم النفس
يبحث علم النفس في الميول والرغبات والتفكير، وفي الإرادة والشعور والعواطف واللذة والألم، وهذه مباحث لا يستغني عنها دارس علم الأخلاق؛ ليهتدي للتقدير السديد والحكم الصحيح على الأعمال التي تتأثر بهذه القوى النفسية المختلفة، ومن هنا يقول «سانتهلير» في مقدمته لكتاب «الأخلاق» لأرسطو:
بدون المشاهدة السيكولوجية - أي النفسية - لا يتحقق علم الأخلاق أو يكون علما تحكميا.
كما يقول:
إن علم النفس بتحاليله المضبوطة يجب أن يكون دليلنا الوحيد، ولنا أن نضع فيه كل ثقتنا.
9
ولشدة حاجة دارس الأخلاق لعلم النفس كان الفلاسفة الأخلاقيون يقدمون بين يدي بحوثهم وتأليفهم بحوثا أخرى في علم النفس؛ هذا أرسطو وضع قبل كتابه في الأخلاق كتابا في علم النفس سماه «النفس»، وقد شرحه أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الفيلسوف الإسلامي المعروف،
10
كما بدأ مسكويه
11
كتابه «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق» بفصل ممتع في النفس الإنسانية وطبائعها وقواها المختلفة، وهكذا صنع الغزالي في كتابه «الإحياء». (5-2) الأخلاق والمنطق
لكل من العلمين صلة بالآخر تتجلى فيما يلي: (1)
كل منهما يبحث في ناحية معينة من نواحي قوى النفس، فيبحث المنطق في التفكير والأخلاق في الإرادة وما يصدر عنها من أعمال. (2)
كلاهما علم مقياسي، فكما يبحث المنطق عن مقياس للحقيقة يبحث علم الأخلاق عن مقياس لسلوك الإنسان. (3)
يعمل كل منهما على وجوب الاتفاق مع المقياس الذي ينتهي إليه، فيعمل المنطق لاتفاق الذهن في تفكيره مع مقياس الحقيقة، والأخلاق تقول بوجوب اتفاق السلوك ومقياس الخير. (5-3) الأخلاق والاجتماع والاقتصاد السياسي والسياسة
هذه العلوم، بإضافة علم القانون إليها، من الممكن أن نقول عنها إنها العلوم الاجتماعية؛ إذ إنها تعنى بدراسة الإنسان في المجتمع، وإن كان كل منها يدرسه من ناحية خاصة، فبينها إذن وشائج وثيقة العرى.