تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

حدثت هذه الكلمة في القرن السادس قبل الميلاد؛ إذ كان أول من استعملها هو فيثاغورس

4

كما تقول جمهرة المؤرخين، أو سقرط كما يقول آخرون، ذلك أنه كان متواترا كما يؤكد شيشرون

5

أن فلاسفة الإغريق الذين سبقوا فيثاغورس كانوا يلقبون أنفسهم الحكماء، حتى جاء هذا الفيلسوف فوجد اللقب فضفاضا عليه وعلى أمثاله، فأعلن أن الحكمة لله وحده وأن الأليق بنا أن نختار لأنفسنا لقب «محب الحكمة».

وكيفما كان الأمر في سبب حدوث هذه الكلمة، فقد كان مقصد الفلاسفة السابقين البحث عن الحقيقة وعن المادة التي تكون منها العالم ما هي؟ فكان منهم من رأى أنها الماء، فهو أصل الكون كله، ومنهم من رأى أنها الهواء، ومنهم من أعلن أنها النار، أما فيثاغورس فقد أكد أنها الأعداد.

ومهما يكن في هذه الآراء من صواب قليل وخلط كثير، فهؤلاء المفكرون الأولون، الذين توفروا على البحث عن الحقيقة، هم الألى يستحقون أن يلقبوا بالحكماء أو بالفلاسفة كما يرى فيثاغورس، وهو في هذا يقول كما رواه شيشرون أيضا: أغلب الناس عبيد، البعض عبيد للشرف والمجد والجاه، والآخرون عبيد للمال والثراء. إلا أنه نجد منهم عددا قليلا عنوا بالبحث عن الطبيعة وفهمها، وهم الذين يسمون الفلاسفة. (2) إطلاقها قديما

كانت الفلسفة قديما تطلق على كل المعارف البشرية؛ من بحث عن الطبيعة في العالم وأصله ونشأته، ومن فلك وطب وهندسة وإلهيات وغيرها، أيام كان العقل كالطفل الغرير يتلمس المعارف تلمسا ولا تنهال عليه انهيالا كما في العصور الحديثة، وكان في مقدوره أن يقوم بها كلها لقلتها وعدم تفرعها كثيرا في ذلك الزمن القديم.

وإذا رجعنا الآن إلى تاريخ الفلسفة نفسها، لا إلى تاريخ اللفظ الدال عليها فحسب، وجدنا أن مسألة المعرفة ومسألة السلوك الإنساني كانتا أهم ما شغل به الفلاسفة أنفسهم، وبعبارة أخرى: كانت هاتان المسألتان على ما يظهر هما العناصر الأساسية للبحث الفلسفي.

نعم، إنه من الحق أن وجدان المرء نفسه وسط هذا العالم الخضم، واضطرابه في أرجائه ووقوع نظره على ما يتألف منه من عناصر وما يكتنفه ويقع تحت حسه من ظواهر؛ من خسوف وكسوف، ورعد ومطر، وليل ونهار يتعاقبان، وبرد وحر يتناوبان، ونحو ذلك من الظواهر الكونية المختلفة، كل ذلك أيقظ ذكاءه ودفعه بإلحاح إلى التفكير عساه يفهم الكون الذي يعيش فيه، والظواهر التي لا تفتأ تتوالى أمام سمعه وبصره، ولا غرو فالمرء مفطور على حب المعرفة والسعي لها، يتجلى هذا في الطفل حينما يسأل باستمرار لماذا، وكيف؛ إرضاء لغريزة حب الاستطلاع الطبعية فيه. ومن أجل ذلك يعلمنا التاريخ أن الرغبة في المعرفة رغبة أساسية لدى الناس جميعا في كل الأزمان والبيئات، ليس هناك أي شعب مهما كانت درجة تأخره وانحطاطه لم يظهر فيه هذا الميل الغريزي والحاجة الطبعية للمعرفة ، مما يجيز لنا بحق أن نعتبرها عريقة في القدم عراقة الإنسانية نفسها.

وبعد فترة من الزمن، علم مقدارها عند الله وحده، أشرب المرء حب التفكير والنظر شوقا للمعرفة الخالصة التي لا تدفع إليها حاجة ملحة، وأدخل ضمن دائرة بحثه وضع شيء من النظام والمنطقية في أعماله وسلوكه. بهذا وذاك أصبحت عناصر الفلسفة - كما قلنا - اثنين: أحدهما نظري عقلي يتعلق بالمعرفة، والآخر عملي أخلاقي يتعلق بالعمل، هذا ما يرينا إياه تماما تاريخ التفكير الإغريقي في العصور القديمة، الذي هو مرجع الفلسفة الغربية.

وعدت العوادي على الفلسفة على يد السوفسطائيين؛ إذ نزلوا بها عن مكانتها وجعلوها وسيلة للارتزاق، حتى جاء سقراط فنجاها مما آل إليه أمرها على يد هؤلاء الذين وجهوا همهم وعلمهم وتفكيرهم لجني أكبر ما يمكن جنيه من الفوائد الذاتية، وصاروا يعلمون الناس طرق النجاح في الحياة غير مقيدين في ذلك بمصالح الآخرين، ولا بشيء من العادات والتقاليد التي كانت معروفة حينذاك، كما أنزلها كما يقول شيشرون: «من السماء للأرض»، أي أنه وجه نظر الفلاسفة إلى التفكير في الإنسان وأعماله من ناحية وضع قواعد تتجه به نحو الفضيلة، بدل أن كانوا يتجهون دائما في أبحاثهم وتفكيرهم نحو العالم وأصله ومنشئه وتفسير ظواهر الكون المختلفة، وبذلك يعتبر المؤسس لعلم الأخلاق على أسس عقلية سليمة مستقيمة. (3) إطلاقها حديثا

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ١٤