فقال أحمد (5/ 347) ومن طريقه ابن عساكر (27/ 127): ثنا زيد بن الحُباب، حدثني حسين بن واقد، حدثنا عبد الله بن بُريدةَ، قال: دخلتُ أنا وأبي على معاوية، فأجلَسَنا على الفُرُش، ثم أُتِينا بالطعام، فأكَلْنا، ثم أُتينا بالشَّرابِ، فشَرِبَ معاوية، ثم ناوَلَ أَبي.
ثم قال: "ما شَرِبْتُه (1) منذُ حَرَّمَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم".
ثم قال معاوية: "كنتُ أجمَلَ شَبابِ قُرَيْشٍ؛ وأَجْوَدَهُ ثَغْراً، وما شَيْءٌ كنتُ أَجِدُ له لَذَّةً كما كنتُ أجدُه وأنا شابُّ غيرَ اللَّبَنِ، أو إنسانٌ حَسَنِ الحديثِ يُحَدِّثُني".
وسنده رجاله ثقات في الظاهر، إلا أنه بهذا السياق معلول، بل هو منكر.
إذ ليس بالإمكان أن يَتَفَرَّدَ راوٍ بحديثٍ مرفوعٍ من طبقة زيد بن الحُباب، ولو كان أوثق الناس، فضلا عمَّن بعد ذلك.
(1) يعني المُسْكِر، وهذا استطرادٌ من معاوية لا تعلق له بما قبله ولا بعده، وقال المعلق على المسند (38/ 26 الرسالة): "ولعله قال ذلك لِما رأى من الكَراهة والإنكار في وجه بُريدة، لظنِّه أنه شرابٌ محرم، والله أعلم".
قلت: هذا تجويزٌ من قائله، ولم يَرِدْ في شيء من مصادر الخبر نَقْلُ كراهية بريدة أو إنكاره، فضلا عن ردِّه وامتناعه عما ناوله معاوية، ولو كان بُريدة رضي الله عنه يظن ذلك لما جلس هذا المجلس، ولَنَقَلَ ابنُه استفهامَه على أقل تقدير، ثم إن مما يتبادر للذهن أن الشراب هو اللبن، بدليل أن معاوية في سنّه هذه لا يُفَضِّلُ عليه غيره؛ كما في آخر الخبر، والله تعالى أعلم.
إلا أن آخر ما يمكن أن يُفهم هو أن معاوية شَرِبَ الخمر!! كيف وهو ينص في الخبر ذاته على أنه لم يشربها قط! وأنَّه عَلِمَ النَّهْيَ عنه مِنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وروى عنه حديثَ جلد الشارب ثلاثا، ثم قتله في الرابعة، ومن شدَّته في مسألة المسكر أنه أمر بقتل السكران إذا قَتَل، مع أن بعضهم لا يوقعه.
والشاهدُ الذي أوردتُ الخبر لأجله: الجُملةُ الأخيرة من كلام معاوية، وبيانُ إكرام معاوية لإخوانه الصحابة، ووفادتهم عليه، رضي الله عنهم أجمعين، كما قصدتُ دفع الإيهام الذي قد يثيره بعضُ أهل الهوى؛ ممن تنقلب الفضائل في مخيلتهم إلى مثالب! وأطلتُ قليلا في هذا لأني رأيت بعضَ مُحْدَثي الرافضة النَّوْكى يحْرِفُ معنى الخَبَر، ويُحَمِّلُه ما لا يحتمل، مما هو ومشايخه أولى به.