ذعر الرجل من هذه الرؤيا، وضرب في الأرض يسأل كل عالم بتأويل الأحلام؛ حتى التقى بشيخ من أهل الله صالح، قال له: أنا آتيك بتأويل رؤياك، فاتبعني وسار به بعيدا بعيدا عن المدينة، وانتهيا إلى شجرة عجوز، بارك الله في ظلها لمن يلجأ إليه من عملة المزارع الواسعة القريبة إليها، وجلسا يرقبان رجلا عليه ثوب خلق أزرق، يعمل بجد في الأرض.
ولما كادت الشجرة تنتقل ظلالها، وتتوسط الشمس في السماء، مال العامل عن عمله، واتجه نحو الشجرة والعرق يتصبب من جبينه، وإشراق الجهد الصالح يتألق على وجهه، وانتحى ناحية في ظلها الواسع، وأخرج من جعبة حقيرة رغفانا تكاد تكون سوداء ومعها نبات يؤكل، ودعا الشيخ وزميله دعوة الكريم، فتقدم الشيخ إلى الطعام، وأشار على زميله العليل بإتباعه، وأكلا من طعام العامل وشربا من مائه.
شعر العليل بنوع من الرغبة في الطعام، لم يكن يشعر به من قبل، وبدأ يفكر في أمر الحياة واختلاف جهد الناس فيها ونصيبهم منها، وأخذت تتسرب إلى فكره طائفة من الخواطر من شأنها أن تكسر حدة الطمع، وتحقر النعيم المكتسب من وراء الذلة والدناءة، وتهدي إلى حياة الرضا، والبساطة، والحلال. وكان في ذلك اليوم بدء الشفاء. •••
أن رغيف العامل الفلاح معجون بدمه وعرقه، وبينما هو يهيئه تنقض على كتفه غربان من البشر، يختلسون من لحمه الطاهر طعاما هنيئا، فيئن وهو صابر، ولكن الله عدل شهيد يعطف على الفقير المظلوم جزاء صبره، ويصيب الغربان بمرض في الجسم، ووخز في الضمير.
| الشباب المدبر والشعرة البيضاء
شرنفاش في 5 من نوفمبر سنة 1915
أيها القارئ الصديق الشاب:
إن الفتى الذي ألقى عليك قوله كان من هؤلاء الذين أعزهم الله بآية الشباب فقضى ربيع العمر بين لذة الحب ولذة الأمل، ولذة العمل، ولبث يعدو في ذلك السبيل الزاهي حتى اشتعلت في رأسه شعرة بيضاء أدرك بها أنه قطع في سبيل الله ما قطع. وأنه كاد يدخل في مسلك قفر من نعمة الصبا، ونعيم الغزل.
ظن الفتى أن تلك الشعرة هي نذير كاذب بفوات الشباب، وزعم أنها فوتت على نفسها غذاءها من لحمه ودمه فابيضت فخاطبها قائلا: «ليس لك أن تزعجيني أيتها الشعرة، فما زلت بحمد الله فتيا أحب زهرة الربيع الوليدة العطرة، وأطرب من حديث الغانيات وأصبو لذكر كل عمل مجيد.»
ما زلت محبا للحياة أعانقها إجلالا لما فيها من عظمة، وحرصا على ما تظهر به من جمال، فيغشاني الليل، ويجود بفترة هادئة تقبل علي فيها طوائف الرغبات، وإذا بخل الدهر برغبة جاد الليل لنا عنها بجميل العزاء.
يلحق الليل النهار فيشرق وجه الوجود، وتلقي شمس الصباح في نفسي قذيفة من القوة أتعقب بها كل عمل صالح. وهكذا اليوم الصالح إن أغلق في الليل عن عزاء، فإنه يفتح مع الفجر على نشاط ورجاء.
هذه يميني أيتها الشعرة البيضاء، محشوة بالعافية، وهاتان قدماي تحملاني على الأرض غير وجلتين ولا متخلخلتين، وهذا سمعي ليس به وقر، وهذا بصري حديدا، فإذا كنت أيتها الشعرة نذير الهرم، والهرم نذير الموت، فاجعل اللهم يوم لقائي لك في أيام الشباب، فلقد نعمت به ولقد أحببته ووددت لو ألقاك اللهم فتيا.
يقولون: «إن في تلك الكواكب البراقة أودية وظلالا، فأي فتاة من أهل السماء تنتظرني اليوم تحت كروم هذا النجم اللامع لأقبلها وأشرب من عصير تلك الكروم وأستأنف الحب في عليين، على مرأى من الملائكة والمطهرين.» •••
وا أسفاه لو فلت الشباب، ولم نقض من الشباب إربته.
أن الحياة جميلة، وخير ما في الحياة ربيعها، وخير الربيع ما انقضى بين الحب والعمل والأمل.
| الدعوات
| على ذكر الحرب
شرنفاش في 12 من نوفمبر سنة 1915
لأهل القرى أصوات أجهر من أصوات المتحضرين؛ وربما كان ذلك؛ لأن صدور القرويين هي أقدر على دفع الهواء وهزه بقوة، أو لأن هواء القرية غير ممزق بالحركات المختلفة التي تقوم عليها المدينة، أو لأنه بليل برطوبة النبت الغض والحقول العطرة، أو من هذه الأسباب جميعا. ولقد طوح النوم عني صوت علا غير بعيد من نافذة غرفتي يدعو لآخر بالبركات. وبمقدار ما آلمني أن أتخلى عن راحة كنت في حاجة شديدة إليها، سرني أن استقبل الصباح على صوت امرئ من الأنس يبغي الخير لأخيه.