أثار ذلك الحادث في نفسي خواطر شتى، تطوف حول الدعوات، وتجر إلى البحث في ماهية الأماني، وما ينجم من الشعور بالضعف عند عدم نيلها، وما يكون من الاستنجاد بقوى عظمى تذعن لها قلوب الناس يوم تظل عقولهم وقدرتهم قاصرة عن إدراك ما يطمع العلم في كشف أسبابه، وغير ذلك من المسائل التي يطرحها أهل العلم للتنقيب.
وقد يكون للسادة رجال الدين آراء في تلك المطالب التي يوجهها العبد إلى رب حكيم قدير، إن شاء ردها، وإن شاء لقيها بقبول.
لست اليوم أبحث في الدعوات من سبيل السادة أهل العلم، أو من وجهة السادة أهل الدين، وحسبي أنها نزعات فطرية موجودة في البشر منذ علم للبشر تاريخ. يسجل القلب تلك النزعات، ثم يرفعها اللسان نحو ملكوت مسير الأمور ومصرف الأحوال.
ولقد كان الناس قديما يوجهون دعواتهم عند رحاب أنصاب معظمة، أو أرباب مكرمة، ويقول المتدينون: إن الله يتقبل الدعوات إذا صدرت عن قلوب طاهرة، ليس فيها غل ولا دنس.
كم في الأرض من دعوة رفعت عن لسان والد يطلب الخير لذريته، أو نبي يطلب الغفران لملته، أو حاكم ينشد التوفيق لأمته، فهل من دعوة رفعت إلى الله من قلب نقي؛ ليصير السلم عاما والنار سلاما. •••
يقولون: إن بعد الشدة الرخاء. ولقد شهدنا شعوبا غرس الله بهم زرعا، وشاد بهم عمرانا وأقام لهم مجدا فحل بهم القضاء، وجرت في أوديتهم الدماء، وكم من قلب يرجو لو وضعت الحرب أوزارها فما لله لا يستجيب؟ ألأن قلوب البشر لم تزل غير نقية لا يرضيه دعواتها؟ •••
تداول الدعوات بين الناس نذير بأن القلوب تتهيأ للحب، ومتى ساد الحب القلوب، ساد الأرض السلام.
| الكأس المرة
القاهرة في 9 من يونيه سنة 1915
قرأت في صحيفة من صحائفه ما يأتي: «كان الحر في ذلك اليوم شديدا. والسائر في أنحاء المدينة يستر وجهه من هبوب ريح سخينة محملة رمالا مصفرة يخشى الصدر أن يصيبه أذاها فيستنشق نصيبه من الهواء بتؤدة وأناة وكان الناس يحاربون هذا الوجود الشاق على الأجسام باستمرار المثلجات لترطيب دمائهم ترطيبا. ولما آذن النهار بالانصراف كأن ملائكة في السماء خلطت أنفاسها الطيبة في ذلك الجو فطفئ لهيبه شيئا فشيئا وترك القوم مضاجعهم إلى القهوات يستقبلون ليلة حلوة من ليالي القاهرة.
خرجت إلى القهوة في بدء المساء وكنت أكاد لا أجد لنفسي مكانا لوفرة الجالسين فانتحيت جانبا بين ذلك الجمع وكأنهم كانوا من الذين لم تحل بينهم هموم الأيام وصروفها وبين ساعة سرور تقضى في لذة الشراب.
الجعة الصفراء، مرغية، نقية، خالصة ينم عن برودتها بخار الماء المحيط بزجاج الكأس، ونسيم الليل المنعش يحمل رائحة حببها الخمرية إلى المشام ليثير رغبة الشاربين، ونور الغاز شديد يظهر صفاء تلك الكؤوس المرصوصة صفا صفا والساقون يروحون سراعا بأكواب فارغة ويعودون بها ملأى والبؤساء من صغار الباعة، أو السائلين ينسلون دون أن يشعر بهم أحد؛ لأن السقاة شغلوا بعملهم والناعمين يلهون بنعيمهم وكأن هؤلاء البؤساء كانوا رسائل من عند الله يذكرون بتفاوت حظوظ الناس.
لفت نظري رجل بائس واهن القوى. نحيل الجسم ضعيف البصر، يحمل على كتفه العانية فتاة توسدته فنامت، وأسدل شعرها أصفرا هملا جميلا على كتفيها الصغيرتين.
تنام الطفلة في الساعة التي من حق الطفل فيها أن ينام على فراش لين هادئ، ولكن المنكودة تنام في غير مأوى. يطوف بها والدها المجرم الجاني حيث فصلها من دمائه المعذبة لتنال نصيبها من الشقاء. لا أدري لماذا يلد الناس إذا لم يكن لأولادهم سهم في النوم الهنيء، ولا في الطعام المريء!
نظرت إلى الرجل فاضطرب رأسي بأفكار متناقضة وفؤادي بعاطفة ليست محدودة ولا مضبوطة، فكان يدفعني عامل من الشفقة والحنان، ويهزني عامل آخر من القسوة والظلم، ولربما كان في القسوة والظلم كيان هذا الوجود.