اللهم ارحم قومنا، فإنهم لا يعلمون كيف يجلون وقار الموت، ولا ينعمون ببهجة الحياة!!
| نظرة في الطريق
القاهرة في 6 من أغسطس سنة 1915
على هذه الطريق التي تقطعها قدماك كل صباح، ومن هذه المشاهد التي تجري تحت نظرك كل يوم، وفي واسع هذه الضوضاء التي يسبح فيها سمعك، أيها السائر، اتئد وانظر، واتعظ. فبين ذلك صحف حية منشورة بين يديك فيها، لو تعلم، حكم بالغة.
ما أرى في الطريق، وما يجري فيه كأنه عبارة صارخة تقوم على كلمات شتى!!
وما أكثر مفردات هذه العبارة، فيها العامل المكب على عمله، والمتعطل الساكن إلى كسله، والمنعم التائه في نعيمه، والبائس المصدوم في بؤسه، وهذا الطاغي وذاك الباغي. وهذا المسرور وذاك المدحور، وهذا الشاكي وذاك الباكي، وهذا وذاك.
كل واحد من مفردات هذه العبارة؛؛ بل كل فرد من هذه الأفراد الذين يمرون أمامك، إنما هو يمثل معنى من المعاني و«يلعب دورا» من الأدوار في مسرح هذا الوجود.
هذه كلمة للعمل، وذاك للكسل. هذا للشقاء وذاك للنعمة، هذا للخديعة، وذاك للغرور، وهذه للقوة، والآخر للضعف، وهذا للحق، وهذا للباطل. وهلم جرا.
تلتئم هذه المفردات جميعا لتركب جملة واحدة؛ بل هيكلا واحدا معناه حياتنا الاجتماعية. •••
إذا جاز لأهل البلاغة أن يحكموا على فصاحة الجملة بسلامة الألفاظ وحسن التركيب، فقد يجوز لأهل الاجتماع أن يحكموا على رقي الجماعة بما تحمله أفرادها من تلك المعاني المختلفة.
في الجماعات الوضيعة تربى المفردات السقيمة ذات المعاني الواهية، فإذا رأيت الطريق تموج بأفراد، هذا يمثل دور الكسل وذاك دور اللئيم، وهذا دور المنحط، وذاك دور الخادع. وهذا دور الذليل، فقل: إن هذه الجملة الاجتماعية عليلة لا ينشرح لها الصدر، ولا تجود إلا بمعنى الحياة المنحطة.
وإذا رأيت في بلد ما أن الطريق تموج بأفراد تحمل النشاط قلوبهم والجمال وجوههم، والبشر محياهم، والقوة أجسامهم والنظام أعمالهم، فقل: إن تلك الجملة الناطقة التي يحملها هذا الطريق هي فصيحة بليغة، تدل على رقي الجماعة.
رقي الجماعة هو رقي أفرادها وعظمتها تكون في تعدد أساليب هذا الرقي تعددا يظهر في اختلاف المواهب السليمة للأفراد.
| رغيف الشفاء
| بين الواقع والخيال
شرنفاش في 8 من أكتوبر سنة 1915
في الحياة ناس ممتعون يحويهم الوجود وهو كاره. يدنون إلى النعيم من طرق يكره الله أن يسير فيها البشر الصالح؛ لأنها مسالك الأدنياء والأشرار، ويقول أهل العبادة والتوكل بأن الله لا يطرح البركة في عيش هؤلاء الناس وصدق السادة المتوكلون.
إن الرجل الذي آتيك بحديثه ، أيها القارئ، هو شبيهك في نوعه الحيواني، وأرجو أن تكون أعلا منه في إنسانيتك، وأرقى مطمحا.
عاش هذا الرجل حينا من الدهر بين الناعمين، يطعم كما يطعمون من ألوان مختلفة، وينام كما ينامون على لين الفراش، ويخلع الحرير، ويلبس الحرير. وكان يشتغل قليلا، ويظفر من عمله بأجر غير قليل وجاه جزيل، وينال من هذا الجاه تحيات وافرات.
ظل على هذا الحال حتى تولاه مس سيء من حياة النعومة، التي ليست من حقه؛ فأصبح شاحب اللون، شحيم الأعضاء، أجش الصوت، مرتجف القلب، مضطرب الضمير.
هال الرجل أمر مصيبته، ففزع إلى التداوي، فجيء له بصفوة الأطباء.
نصح له الطبيب بالملاهي ليستريض بأنوارها وحسناتها وحسانها، فلم يزده اللهو إلا سقما على جسمه، وسعيرا في نفسه.
نصح له الطبيب أن يتعدى البلاد، ويجوز الشرق للغرب، وينعم هناك بأرض حيا الله رباها، وجدد بهجتها، فلم تزده بلاد البهجة والنعيم إلا هما.
وصف له الطبيب إكسير البحار، وهواء الجبال، وعصير القلوب والأكباد. وصف له الطبيب ما وصف، فلم يبق من الأدوية ولم يذر، ولكن ظل فيه الداء.
وبينما هو ذات يوم يفكر في حاله، ملقى على مقعده، إذ ساقه النوم إلى عالمه، فرأى فيما يرى النائم كأن الحائط قد انشقت، وظهر له من خلفها شبح نوراني، يكاد يكون وجهه كالشمس، أو كالقمر، وسمع صوتا ينادي بأن العلة لا تزول إلا بغذاء من رغيف طاهر معجون بدم الناس، بدم لا ينبع من جرح، ولا يرشح من مرض.