تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خرجت من عالم الكتب إلى عالم الناس، وكنت أتوهم أن الناس يلقونني لأعمل معهم، وأكتب تحت أعينهم صحيفة من سفر الحياة الواسع، فأملأها برسوم الحق والواجب، وآثار العمل والأمل، وأصور فيها صورة الأب الصالح، والزوج الوفي، والوطني الصادق، والإنسان العادل في نفسه وفي الناس. وكنت أظن أن كلمات الحرية والإخلاص والفضيلة والرحمة والكمال وأمثالها مما وسعه المعجم تسعها معاملات الناس بعضهم لبعض، على أنني صدمت صدمة بالغة حين رأيت أن الناس يسيرون على خلاف ما كنت أظن. وأن الحياة تكاد تكون جارية لمقادير غير ما كنت أقدر. وأن السجايا التي كنت أظنها من صفات البشر إنما هي لمخلوقات خيالية تبصرنا ولا نبصرها، وترانا ولا نراها. هالني وأفزعني أن أرى في الحياة مسرحا واسعا للنفاق والرياء والخداع والأباطيل، وأن هذه الأشباح الشنيعة قد صرعت تلك المخلوقات الشريفة التي نسميها الفضائل، واستبدت وحدها بميدان الحياة كله. تساءلت: أكانت الكتب تخدعني، وتغير صور الأشياء، فتجعل ضعفاء الحقيقة هم الأقوياء، وأقوياءها هم الضعفاء؟ أم هو الوجود لم يبلغ بعد في تاريخ نشوءه طورا تنال فيه الفضائل منازلها من الكرامة والإجلال، وتسير في المعاملات كأنها الكواكب تجري في داراتها على سبل ممهدة، فتصبح حينذاك القوة والغلبة ميزة للسجايا وحدها، ثم تساءلت: هل فترة الحياة من شأنها أن يظل فيها أشباح خيالية، تتخذ وكرها في رؤوس البشر، وتشبه الأملاك في نورانية أجسامها، وتغري النفوس بالنزعات العالية، أم توجد كرام السجايا حقا عند أفراد أغنياء بأنفسهم عن الناس معززين منعمين بمداعبتها، يحسبهم الجهال مهزومين، وهم يعيشون كآلهة الأساطير، يسخرون من نعيم الناس، ولهم من أنفسهم أكبر نعيم. وقلت في نفسي بعد ذلك كله: هل القوي في الحياة الاجتماعية هو من يخضع لنواميسها من الرياء والظلم فيخدع ويظلم؟ أم هو الذي يحتقرها في قوانينها ليعيش تحت راية مبادئ أخرى تنسجها له تصوراته وخيالاته السامية؟

إن منشأ همي يا سيدي هو ذلك التنازع القائم بين ما تحن إليه نفسي ونزعاتها، وبين المبادئ التي يقوم عليها المحيط الذي يضمني.

أأعيش منفردا واحدا في عالم الخيال، أم أدخل إلى ساحة البشر، وأخلع ثوبي الجميل الكريم؟!

| مآتمنا

القاهرة في 30 من يوليه سنة 1915

مآتمنا تذهب برهبة الموت ووقار الأسى، فهي ممقوتة عند الله، وهي عار علينا في مظاهرها.

يزعم أهل النظر والعلم أن السرور أدعى إلى صنوف الحركات، وأن الحزن أدعى إلى السكينة. وذهب ابن خلدون إلى أن «طبيعة السرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه وطبيعة الحزن انقباضه وتكاثفه»!

نعم. صدق في نتيجة رأيه الإمام، فالفرح والوجد أمران مقدوران على البشر من قديم يغشيان الأفراد والأمم. فأما الأول، فآيته الحركة وأما الثاني فآيته السكون. وإذا كان الأول يخلع على الوجوه بهجة ونضارة، فإن الثاني يلقي عليها صنفا من صنوف الحسن أبلغ معانيه الصبر على احتمال المكروه، والشجاعة على احتمال الألم.

إذا صح لي الشك في قول الأمثال السائرة أن الكلام من فضة والسكوت من ذهب، فلقد آمنت أن صمت الأسى أفصح من كلامه، وإشارته أوقع في النفس من عبارته.

ألا أن الموت لا يطلب إلينا إلا أمرا واحدا، هو أن نتعظ به، فإنه أفصح خطيب، ونحفظ الوفاء لمن يموت في الحزن الصادق. وما مظهر الحزن الصادق إلا غمامة جميلة تعلو الوجه، ودمعة حارة تروي الوجنات، وتأوه صامت ينتزع من أعماق الفؤاد.

روي أن النبي

صلى الله عليه وسلم

أتى ابنه إبراهيم، وهو في حجر أمه يجود بنفسه، فأخذه النبي

صلى الله عليه وسلم

فوضعه في حجره، ثم قال يا إبراهيم: «إنا لا نغني عنك من الله شيئا»، ثم ذرفت عيناه، ثم قال يا إبراهيم: «لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب.» •••

خطرات نفس · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خطرات نفسص ٢