عليهم أنك تناصحهم، وتقصد ما ينفعهم. ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني: بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة: من الرفق، واللين، من غير فظاظة، ولا تعنيف" (1).
وقال الطبري: في تفسير ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: "يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها، أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى" (2). وقال ابن عجيبة: " ﴿وَجادِلْهُمْ﴾ أي: جادل معاندتهم ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: بالطرق التي هي أحسن طرق المجادلة: من الرفق واللين، وإيثار الوجه الأيسر، والمقدمات التي هي أشهر؛ فإن ذلك أنفع في تليين لهبهم، وتبيين شغبهم" (3). وقال الماتريدي: في ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: "أي: جادلهم أحسن المجادلة بلين القول، وخفض الجانب والجناح؛ لعلهم يقبلون دينهم، ويخضعون لربهم" (4).
وفي مثل هذا المعنى يقول تعالى أيضًا: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (العنكبوت: 46). وهو أمر موجه للمسلمين، بأن يدعو أهل الكتاب من اليهود والنصارى -ويدخل معهم غير المسلمين عمومًا- إلى الإسلام، وأن يجادلوهم ويناقشوهم في شؤون الدين، متحلين بأحسن الخصال في الحوار معهم، مثل: مقابلة الخشونة باللين، والشدة بالرفق، والغضب والفظاظة بالصفح والمسامحة، والشغب بالنصح، والحِدة بالحِلم والأناة، ولكن على وجه لا يدل على الضعف، ولا يؤدي إلى إعطاء الدّنِيّة" (5).
أما قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا منْهُم﴾، أي إلا الذين تجاوزا الحد منهم، فتمادوا في الغي والعناد، ولم ينفع معهم الرفق، فلا بأس بأن تجادلوهم بما هو أشد (6). وقيل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا منْهُم﴾ معناه: إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب، فجدالهم بالسيف حتى
(1) لباب التأويل، الخازن، 3/ 107. وانظر: البحر المحيط، أبو حيان، 6/ 613.
(2) جامع البيان، الطبري، 17/ 321.
(3) البحر المديد، ابن عجيبة، 3/ 174.
(4) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، 6/ 595. وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 10/ 200.
(5) انظر: الكشاف، الزمخشري، 3/ 457؛ مفاتيح الغيب، الرازي، 20/ 355؛ التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 8/ 1.
(6) انظر: الكشاف، الزمخشري، 3/ 457؛ بحر العلوم، السمرقندي، 2/ 636؛ المحرر الوجيز، ابن عطية، 4/ 321.