أنه يجوز الموالاة الجزئية لغير المسلم المسالم، الذي ليس من صفته: قتال المسلمين في الدين، أو إخراجهم من ديارهم، ولم يظاهر على إخراجهم (1).
وهناك أحاديث تدل على تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مع غير المسلمين على أساس البر والإحسان والصلة للذين لم يقاتلوهم في الدين. منها:
- عن ابن عمر، رضي الله عنهما قال: "رأى عمر حلة سِيَراء تباع، فقال: يا رسول الله، ابتع هذه والبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفود. قال: "إنما يلبس هذه من لا خلاق له"، فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - منها بحلل، فأرسل إلى عمر بحلة، فقال: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: "إني لم أعطكها لتلبسها، ولكن تبيعها أو تكسوها". فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم" (2).
- عن أنس - رضي الله عنه -، قال: كان غلام يهودي يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمرض، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -، فأسلم، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار" (3). قال ابن الجوزي: "في هذا الحديث جواز استخدام اليهودي، وجواز عيادته، وتواضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومبالغته في النصح" (4).
- عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: حلبَ يهوديٌّ للنبي - صلى الله عليه وسلم - نعجةً، فقال: "اللهم جمِّله"، فاسْودّ شعرُه حتى صار أشد سوادًا من كذا وكذا. قال معمر: "وسمعت غيرَ قتادة يذكر أنه عاش نحوًا من سبعين سنة لم يشب" (5). وقد استنبط بعض العلماء من هذا أنه لا بأس بالدعاء لأهل الكتاب (6).
(1) الولاء والبراء والعداء في الإسلام، أبو فيصل البدراني، ص 101.
(2) الجامع الصحيح، البخاري، كتاب الهبة، باب الهدية للمشركين، 3/ 164/2619، وكتاب الأدب، باب صلة الأخ المشرك، 8/ 5/5981.
(3) الجامع الصحيح، البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه، 2/ 94/1356، وأخرجه مختصرًا في كتاب المرضى، باب عيادة المشرك، 7/ 117/5657، وأخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب عيادة الذمي، 3/ 185/3095.
(4) كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي، 3/ 285/1667.
(5) مصنف، عبد الرزاق، باب السلام على أهل الشرك والدعاء لهم، 10/ 392/19462.
(6) انظر: شرح السنة للبغوي، 12/ 173/3315.