ولقد شعر القطر بانتعاش سريع بسبب هذه الإصلاحات، والدليل على صحة ذلك أن استرابون الذي قدم مصر في صدر الفتح الروماني بعد أن قال في المجلد 17 الفقرة 13 نقلا عن سيسرون، إن بطليموس أوليت أبا كليوبطرة كان يجبي من البلد مبلغ 12500 تالان (2700000ج.م)، قال:
ومن حيث إن مصر استطاعت أن تأتي بمبالغ طائلة كهذه في عهد ملك اشتهر دون غيره من الملوك بسوء التصرف والتراخي، فمن باب أولى أن تأتي اليوم بما هو أكثر من ذلك، وقد تعهدها الرومانيون بعناية كبرى من ناحية السهر على أحوالها وإدارة شئونها، لا سيما أن علاقاتها التجارية مع التروجلودتيك
Troglodytique
1
أخذت تزداد بسطة واتساعا إلى درجة كبيرة.
وبما أن أفخر السلع وأنفسها كانت ترد في الواقع من إقليمي التروجلودتيك إلى مصر أولا، ثم تصدر منها إلى سائر أنحاء العالم، فكانت هذه تحصل منها رسوما مزدوجة؛ أي رسم الوارد ورسم الصادر، وكلما كانت تلك البضائع غالية الثمن زادت بحكم الطبيعة رسومها، هذا بصرف النظر عن الفوائد التي تلازم كل احتكار؛ وذلك لأن الإسكندرية كانت المستودع الوحيد لهذه البضائع، وأنها وحدها التي كان في استطاعتها تموين البلاد الأخرى. ا.ه.
ومما يؤسف له جد الأسف أن كلام استرابون هذا لم يقرن بالأرقام، الأمر الذي كان يهمنا كثيرا الوقوف عليه، وفضلا عن هذا فإن إيرادات الجمارك التي ذكرها استرابون كانت توجد بجانبها إيرادات أخرى، مثل: الخراج والجزية وغيرهما من الإيرادات التي لا تخفى أهميتها، ولا نعلم مع الأسف قيمتها إلى الآن.
والمؤلف الوحيد الذي ذكر أرقاما عن هذا هو ماركاردت (راجع نظام الإمبراطورية الرومانية ج2 ص407)، وقد نقل هذه الأرقام عن م. ل. فريدلاندر
M. L. Fariedlander
الذي قدر جميع الضرائب في مصر بمبلغ 134918000 مارك (6745905ج.م).
التروجلودتيك أو سكان المغاور يقول عنهم قدماء المشتغلين بعلم تخطيط البلدان: إنهم قوم كانوا يقطنون الجنوب الشرقي لمصر.
الفصل الرابع
عصر البيزانطيين
من سنة 396م إلى 640م
لقد ألجأتنا الضرورة مرة أخرى إلى استقاء أخبار هذا العصر من مؤلفي العرب دون سواهم، غير أن ما ذكره لنا هؤلاء مقتضب لم يتعد عهد شخصين هما الإمبراطور هرقل، وآخر يدعى المقوقس، ويظهر أن هذا الأخير كان يشغل وظائف عمومية هامة عندما فتح العرب مصر، وقد احتدم الجدل حول شخصيته بين مختلفي المؤلفين.
أما بتلر
Butler (الفتح العربي لمصر) الذي استقصى هذا الموضوع مستندا إلى رواية أسقف الأشمونين بنوع أخص، فقد شبه في مؤلفه المذكور ص510 و516 المقوقس بسيروس بطرك الإسكندرية.
وأما ابن عبد الحكم فقد ذكر المقوقس في كتابه «فتوح مصر» المطبوع بمطبعة بريل بليدن، في عدة مواضع، فذكر في ص37:
وجه هرقل ملك الروم - كما حدثني شيخ من أهل مصر - المقوقس أميرا على مصر، وجعل إليه حربها وجباية خراجها، فنزل الإسكندرية. ا.ه.
وفي ص46 ذكر نص كتاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إلى المقوقس، وأوله:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط.
وفي ص47 ذكر رد المقوقس على كتاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وأوله:
لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط.
وفي ص58:
فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر توجه إلى الفسطاط، فكان يجهز على عمرو الجيوش. ا.ه.
وفي ص70:
لما فتح عمرو بن العاص مصر صالح عن جميع من فيها من الرجال من القبط، ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبي، فأحصوا بذلك على دينارين دينارين (120 قرشا)، فبلغت عدتهم ثمانية ألف ألف. ا.ه.
وفي ص72:
قال المقوقس لعمرو: أنا أطلب إليك أن تعطيني ثلاث خصال. قال له عمرو: ما هن؟ قال: لا تنقض بالقبط، وأدخلني معهم، وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك عليه، فهم متمون لك على ما تحب. وأما الثانية إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم ... إلخ. ا.ه.