هذا ومن المحتمل كثيرا أن تكون القيمة التي ذكرها ديودور هي جملة المتحصل من الممولين الإسكندريين لا إيرادات مصر جميعها، وقد ذهب إلى ذلك الأستاذ ولكن
Wilcken
في كتاب «أوستراكا» (الفصل الرابع، ص414).
وذكر شارب
Sharp
في كتاب «مصر في عصر البطالسة» (ص191) أن نصف مبلغ ال 12500 تالان كان يجبى من ميناء الإسكندرية، في الوقت الذي كسدت فيه التجارة الأجنبية، وانحطت إلى أسفل درك، ونزل فيه عدد السفن التي كانت تسافر من البحر الأحمر إلى الهند إلى عشرين سفينة؛ بسبب ما ارتكبته الحكومة من الإهمال والخطأ. ا.ه.
ويلوح لنا علاوة على ما ذكر أن دخل هذين الملكين اللاجيديين كان ضئيلا جدا بالقياس إلى ما كانت تجبيه العرب في عصرهم (كما سيتضح ذلك فيما بعد)، كما أن عصر هؤلاء كان بلا جدال أقل يسارا من عصر البطالسة.
ويجب تفسير ذلك بما يأتي: قال لمبروزو في كتابه ص90:
إن أملاك الحكومة وأراضي الملك كانت متسعة الأرجاء، لا تكاد تخلو منها ناحية من نواحي القطر كله. ا.ه.
وقال في ص91:
كانت أرض الملك يسخر في فلاحتها أناس مخصوصون، وتوزع فيما بينهم حسب منطوق الأمر الملكي، كل بحسب قدرته وقوته. ا.ه.
وذكر ديودور في المجلد الأول الفقرة 74:
إن المزارعين كانوا يستأجرون الأراضي الخصبة التي في حوزة الملوك والكهنة والجند بقيم مرتفعة، ويقضون جل حياتهم في فلاحتها. ا.ه.
وقال هنري ماسبيرو
Henrie Maspero
في كتاب «مالية مصر في عصر اللاجيديين» (ص49):
كان كل شيء في القطر المصري في الزمن القديم من رجال ومتاع ملكا للملك، وكان سائر رعيته عبيدا له، وكذلك كانت الأرض والتجارة والصناعة من ممتلكاته، فلا الزمن ولا الثورات ولا الفتوحات أمكنها أن تنتزع شيئا من هذه الحقوق.
أما ملوك اليونان فكانوا يحتفظون بهذه الحقوق أيضا، ويضعون أيديهم على جميع ما يرون منه فائدة لهم ويزيد في ثرائهم، وبهذه الكيفية كانوا يحتكرون مادتين عظيمتين هما الأرض والصناعة.
وعلى هذا كان في حوزة الملك خاصة ما يقرب من نصف المملكة، كما كان في حوزته وحده دون سواه جميع التجارة والصناعة تقريبا، فالزيت والجعة (البيرة) والملح ومعظم الأشياء الهامة التي كانت تستهلك في القطر، وبالأخص القمح والنبيذ والعسل والثياب الثمينة الفاخرة التي كانت تصدر إلى الخارج بكميات وافرة، كل هذه أصناف كان يحتكرها الملك، ويكون إيراد هذه المحتكرات الهامة (أي احتكار الأراضي والصناعات ... إلخ) دخل التاج، وأما الضرائب فيتكون منها دخل المملكة. ا.ه.
فنستنتج مما تقدم أن البطالسة كانوا يمتلكون أراضي شاسعة منبثة في جميع أرجاء القطر، وهي من الأراضي الخصبة، ولما كانت تلك الأراضي معفاة من الضرائب انحطت بالطبع إيرادات الدولة، وعلى النقيض نمت موارد الملك الخاصة وربت.
ويتلخص ما ذكر في أن الإيرادات التي ذكرها المؤرخون محصورة في الموارد العمومية، وأنه كان يوجد بجانب هذه الإيرادات دخل الملك الخاص، وأنه لا بد أن يكون هذا الدخل جسيما.
وينحصر ما عثرنا عليه عن إيراد المملكة المصرية في عصر البطالسة في عهدي الملكين الآتيين:
بطليموس فيلادلف (سنة 247ق.م).
14800 تالان و1500000 إرتب قمح، وقيمة ذلك بالجنيهات المصرية 3295800.
بطليموس أوليت (سنة 52ق.م).
12500 تالان، وهي تساوي بالجنيهات المصرية 2700000.
اللاجيديون
Lagides
أسرة كان رأسها بطليموس لاغوس من قواد الإسكندر، لبثت متولية حكم مصر من عام 306ق.م إلى عام 30ق.م. فهم والبطالسة شيء واحد.
الفصل الثالث
عصر الرومان
من سنة 29ق.م إلى 395م
لما فتح الرومان ديار مصر أخذوا يبذلون غاية جهدهم لإنتاج أكبر محصول منها، وهذا كان ديدنهم في جميع البلاد التي دانت لسلطانهم؛ ولذلك رأينا أغسطس واضعا نصب عينيه من غداة يوم الفتح الاشتغال بالأشياء التي تدر على البلد الخير والثراء، فالترع التي كان أهملها البطالسة أخذ في إعادة حفرها بأيدي جنوده الظافرين.