تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبناء على ما تقدم لو اتخذنا حتى متوسط هاتين المديريتين والستة ملايين فدان أساسا لتقديرنا؛ لوجدنا أن عدد سكان القطر يبلغ ستة عشر مليون نسمة.

ولكن ماذا يقال عن الجزية التي جباها العرب عند فتحهم مصر من ستة ملايين من الأشخاص الذكور الذين يبلغون الحلم، وجاوزت سنهم الخمسة عشر عاما إلى الستين، ولم يدخل في هذا الإحصاء الشيوخ الذين جاوزوا هذه السن الأخيرة، ولا النساء ولا الأولاد المعفون من دفع هذه الجزية؟ فهذا العدد المفروض عليه هذه الجزية لا بد أن يبلغ ثلث السكان، على أن بعض المؤرخين قد ذكر أن عدد الأشخاص الذين فرضت عليهم الجزية بلغ ثمانية ملايين نسمة.

ولدينا غير ذلك، الإحصاء الذي عمله ابن رفاعة بعد الفتح العربي ب 75 سنة، ويستخلص منه أنه كان بالقطر المصري عشرة آلاف قرية، تحتوي أصغرها على خمسمائة نسمة من أولئك الذين تجب عليهم الجزية.

فإذا فرضنا أن هذا العدد هو متوسط ثلث السكان، كان عدد سكان القطر المصري في ذلك العهد خمسة عشر مليون نسمة.

وخير ما نستطيع ذكره هنا ما ذكره أبو الحسن المخزومي من أن المنطقة الواقعة بين الفرما ونهاية ترعة الإسكندرية كانت تكسوها المزروعات إلى ما بعد سنة 350ه/961م، غير أنه في الوقت الذي كان يكتب فيه وهو عام 580ه/1184م كان القسم الأكبر منها قد أدركه العفاء وخربت مزارعه، وهذه الناحية هي بالدقة إقليم الدلتا الشمالي، أي المنطقة التي تربتها أقل جودة من سواها، وهذا الذي حدث هو أمر طبيعي، وقد كان يحدث عكس ذلك لو زاد عدد السكان، أي إنه عندما نقص عدد السكان في عهد العرب نقصا كبيرا، وقل عددهم في المناطق الجيدة التربة، ترك أولئك الذين كانوا يعيشون في مناطق أراضيها أقل جودة أطيانهم، ونزحوا إلى المناطق التي تربتها جيدة لاستغلالها.

ونختتم هذا الفصل مقررين أن الفتح العربي أتى في نهاية العصر البيزانطي الذي كان عصر تأخر واضمحلال وأقل يسارا من عصر الرومان، فمن غير المعقول كما يلوح لنا أن يكون عدد سكان مصر في عهد الرومان أقل منه عندما فتحها العرب.

ولم يبق علينا بعد ذلك إلا أن نقدر قيمة الخراج في عهد الفراعنة، فإذا روعي أنه عندما فتحت العرب مصر لم يكن الخراج يفرض إلا على الحبوب، وأن ذلك لم يكن بدعة ابتدعوها، بل كان شيئا مقررا وجدوه فأقروه كما ذكر ذلك ابن عبد الحكم في كتابه «فتوح مصر» (ص153)؛ يمكننا أن نقول: إن الخراج في عهد الفراعنة كان لا يفرض إلا على الحبوب أيضا.

وبما أن محصول الحبوب كان 60 مليون إردب فيكون عشره حسبما روى ماسبيرو ولمبروزو 6 ملايين إردب، وبضرب هذا العدد في 35 قرشا ثمن الإردب، يكون الناتج 2100000ج.م وهو قيمة خراج الحبوب، ويكون على الفدان الواحد 35 قرشا.

وقالت الآنسة هارتمان

Ms. Hartmann

في كتاب «الزراعة في مصر في الزمن القديم» (ص142): إنه جاء في سفر التكوين بالتوراة (61-56) أن خمس المحصول في عهد الإمبراطورية الوسطى كان يؤخذ فورا عن ضريبة الخراج.

ويفهم من هذا أن ضريبة الخراج في ذاك الوقت كانت ضعف الضريبة السابقة، أي إنها تساوي 20٪، وبضرب 12000000 إردب في 35 قرشا ثمن الإردب، تكون جملة الخراج السنوي لهذا العهد هي 4200000ج.م باعتبار أن ضريبة الفدان الواحد 70 قرشا.

أما مؤلفو العرب فقد نهجوا في هذا القسم ما نهجوه في قسم الإيرادات، ودونوا لمبالغه أرقاما هي إلى الخيال أقرب منها إلى الحقيقة، وإليك ما قاله هؤلاء:

قال ابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» (ص83):

كان خراج مصر في أيام فرعون ستة وتسعين ألف ألف دينار (56000000ج.م). ا.ه.

وقال أبو صالح الأرمني في تاريخه «الكنائس» (ص30):

بلغ خراج مصر على يد يوسف بن يعقوب بعد عمارتها بعزمه أربعة وعشرين ألف ألف وستمائة ألف دينار (14760000ج.م). ا.ه.

مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآن · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآنص ٣٨