تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما من جهة عدد البلاد فنحن نشاطر «بالوش» في ذلك رأيه ونوافقه تمام الموافقة، ولقد قلنا فيما سبق إننا نرى أن العدد 30 ألفا هو عدد فيه مبالغة، أما العدد 3000 ففيه تناسق مع العدد الذي وجد دواما في القطر.

وأما عدد السكان، فنحن وهو فيه على طرفي نقيض، وعلاوة على الأدلة التي قدمناها فيما سلف لتقدير سكان مصر في العصر الفرعوني نقول: بما أن انحدار الأرض الزراعية في مصر يتجه من الجنوب إلى الشمال، ومعلوم أنه كلما كانت الأرض مرتفعة كانت أجود، فعلى هذا يكون سطح الدلتا الشمالي الذي كان مأهولا جميعه ومزروعا في قديم الزمان على خلاف ما هو عليه الآن، أكثر انخفاضا من جميع سطح أراضي مصر، وبذلك يكون أردأ أراضيها من الوجهة الزراعية.

ومما لا جدال فيه أن ازدياد عدد السكان في إقليم خصب لا يدفع من يزيدون فيه إلى تركه والرحيل إلى منطقة أخرى أقل منه خصبا، إلا إذا زاد عددهم عن القدر اللازم وتعذرت عليهم المعيشة فيه، وبغير ذلك لا ينزحون عنه قط.

ولما كان عدد سكان مصر حسب الإحصاء الأخير الذي تم في سنة 1917 هو 12718255، أي بنسبة اشتراك

من السكان في كل فدان مزروع، أو بعبارة أخرى باشتراك كل 535 شخصا في كيلومتر واحد مربع أو 238 فدانا.

والمديرية التي تفوق في كثافة سكانها باقي المديريات الأخرى هي مديرية المنوفية، ففيها يشترك كل ثلاثة أشخاص في فدان واحد، أو بعبارة أخرى كل 714 نفسا في كيلومتر واحد مربع.

والآن يوجد - كما سبق ذكر ذلك - مناطق مأهولة بسكان يقل عددهم عن العدد اللازم لزراعتها زراعة مرضية، لما كان الأمر كما ذكر، فكيف استطاع سكان يكون عددهم في الزمن القديم أقل منه اليوم زراعة الأراضي المزروعة وغير المزروعة الآن؟

إننا لا يمكننا القول بضعف التربة وقلة المحصول في ذلك الحين، والزعم أنهما هما اللذان استوجبا تشتت الأهالي ونزوحهم عن الأراضي التي كانوا يزرعونها إلى أخرى حتى يستطيعوا استغلالها؛ لأننا لو ذهبنا إلى ذلك لاعترضتنا المحاصيل التي ذكرها مؤلفو العرب في عصرهم الذي وصفوه لنا بأنه كان عصر انحطاط بالقياس إلى العصر السابق، وقد أيد ذلك أميان مارسلان الذي يعتبر شاهد عيان تأييدا تاما، مع أن محاصيل ذلك العصر الذي سموه عصر انحطاط لم نحصل نحن على مثيلها أو ما يقرب منها في أيامنا هذه. ومما يبرهن على أن قوة الإنتاج كانت في الزمن الغابر أعظم مما هي عليه الآن، استطاعة القطر أن يمير ويسع عددا من السكان إن لم يكن أزيد منهم في وقتنا الحاضر، فلا ينبغي أن يكون أقل منهم.

ولرب معترض يعترض علينا بأن الزراعة المتكررة في الوقت الحاضر (الصيفية والشتوية) تستلزم من الأيدي العاملة أكثر مما كانت تستلزمه الزراعة القديمة، أي زراعة الحياض، فنقول: إن هذا لحق، ولكن إلى حد محدود، وعلى أي حال فذلك لا يمنع من أن المنطقة التي تروى بواسطة الحياض تسع وتمير سكانا لا يقلون في كثافتهم عن سكان المنطقة التي تروى أكثر من مرة، ونضرب لذلك مثلا بما هو جار في وقتنا الحاضر في مديريتي جرجا وقنا اللتين ترويان بواسطة الحياض، ولا تختلفان الآن من حيث الري والزراعة عما كانتا عليه منذ ستة آلاف من السنين؛ فقد أظهر الإحصاء الأخير الذي عمل في سنة 1917م أن متوسط عدد الأشخاص الذين يشتركون في الفدان الواحد فيهما هو ، أو بعبارة أخرى أن الكيلومتر المربع الواحد يشترك فيه 635 نفسا، وهذا المتوسط يزيد على متوسط جميع القطر، وهو اشتراك

من الأشخاص في فدان أو 535 نفسا في كيلومتر مربع واحد، وهو يكاد يدنو منه في مديرية المنوفية التي يشترك في كل فدان منها 3 أشخاص، أي في الكيلومتر المربع الواحد 714 نفسا. هذا وإن جميع أطيان هذه المديرية يزرع صيفا وشتاء ويروى ريا متكررا، وهي تفوق في كثافة سكانها مديريات القطر جميعها.

مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآن · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآنص ٣٧