ولو اتبعنا نفس النسبة التي وجدناها في الإحصاء الأخير، لجاوز عدد السكان 20000000 نسمة.
ولزيادة الإقناع نذكر هنا ما رواه ابن عبد الحكم في كتابه ص87 قال:
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن يحيى بن ميمون الحضرمي قال: لما فتح عمرو بن العاص مصر صولح على جميع من فيها من الرجال من القبط ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا صبي ولا شيخ على دينارين دينارين، فأحصوا لذلك فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف. ا.ه.
ويرى من هذا القول أن العدد «18000000» ليس فيه شيء من المبالغة. (د)
إن كمية الحبوب التي تلزم كل شخص من السكان هي كما ذكرنا آنفا إردبان، ودليلنا على ذلك استهلاك الوقت الحاضر عن سنة 1921م؛ إذ كان هذا الاستهلاك كما يأتي:
محصول القطر من الغلال
26732524 إردبا
يستبعد منه الصادر وهو
478363 إردبا
فيكون الباقي
26254161 إردبا
يضاف إلى ذلك الكمية الواردة من الخارج من حب ودقيق محول إلى أرادب بعد استبعاد المعاد تصديره
1481520 إردبا
فيكون المجموع
27735681 إردبا صافي محصول القطر
وبما أن عدد سكان مصر حسب الإحصاء الأخير هو 12718255، فبضرب هذا في 2 (إردبين) ما يستهلكه الشخص الواحد في السنة من الحبوب، يكون الناتج 25436510 أرادب، وباستبعاد هذه الكمية من الكمية التي سبق ذكرها، تكون الزيادة 2299171 إردبا، وهذه الزيادة استهلكتها المواشي حتما، وكذلك الأشخاص الذين زادوا على عدد السكان ما بين عام 1917م الذي عمل فيه الإحصاء وعام 1921م الذي اتخذناه مقياسا لكمية الاستهلاك، وتقدر زيادة الأنفس في هذه المدة ب 637429 نسمة.
ويرى مما تقدم أن مصر كان يلزمها كمية من الحبوب لا تقل عن 36 مليون إردب؛ لتغذية عدد من الأنفس لا ينقص عن ثمانية عشر مليون نسمة غير ما تستهلكه المواشي، وما يدخر للسنين المجدبة؛ إذ إننا نعرف أن هذا كان جاريا في الأزمنة القديمة لعدم التعويل على ما يرد من البلاد الأجنبية، لقلة وسائل النقل وحصره في دائرة ضيقة، كما كان ذلك حاصلا حتى عصر حكم العرب، وهو عصر متأخر كثيرا عن العصر الذي نتكلم الآن بصدده، والدليل على ذلك ما رواه المقريزي في خططه ج1 ص99؛ إذ قال ما معناه: إنه في عهد حكم خمارويه بن أحمد بن طولون المتوفى سنة 282ه/895م كانت تباع العشرة أرادب من القمح بدينار واحد (60 قرشا)، أي الإردب بستة قروش.
بينما يقول ابن إياس في كتابه «نشق الأزهار» (ص78 و79): إنه في سنة 451ه/1059م في دولة الخليفة المستنصر بالله الفاطمي بيع إردب القمح بمائة دينار (6000 قرش).
ومن الواضح أنه لو كانت هنالك صادرات وواردات تذكر لكان الثمن ارتفع في الحالة الأولى وانخفض في الحالة الثانية.
ويؤخذ مما سبق إيضاحه أنه يلزم لاستهلاك المحصول الذي قدر بستين مليون إردب، شعب لا يقل عدده عن ثمانية عشر مليون نسمة.
ويتلخص جميع ما ذكر فيما يأتي:
أولا:
أن مساحة الأرض التي كانت مزروعة في عهد الفراعنة لا بد أن تكون ستة ملايين من الأفدنة على أقل تقدير؛ حتى تنتج ما يقوم بتغذية القوم الذين كانوا يسكنونها، ودليلنا على ذلك أطلال القرى الباقية إلى الآن.
ثانيا:
أن محصول هذه المساحة لا بد أن يكون ستين مليون إردب من الحبوب حتى يكفي تغذية سكانها، ويمكن ادخار مقدار منه احتياطا لوقت الحاجة.
ثالثا:
أن عدد السكان لا بد أن يكون ثمانية عشر مليون نسمة، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا إن الأقرب إلى الصواب أنه كان عشرين مليون نسمة. والذي يرجح لدينا كفة هذا التقدير الأخير هو ذلك المحصول الكبير والمساحة الشاسعة اللذان أقمنا عليهما الدليل في الموضعين السابقين.
ولقد أفضى بحث ج. بالوش في مؤلفه «سكان العالم اليوناني» (ص254) إلى أن الثلاثين ألف بلد التي ذكرها ديودور يجب اعتبارها ثلاثة آلاف فقط، وأن عدد سكان ديار مصر كان يبلغ على أكثر تقدير في عهد الرومان خمسة ملايين نسمة، أي إن لكل مائة وثمانين ساكنا كيلومترا مربعا واحدا.