ولإيفاء هذه المطالب كلها ودفع مرتبات الجيوش التي ترابط في مصر من قبل الباب العالي، يستولي الوالي على كافة أنواع الإيرادات، وهي إيرادات ضخمة جدا قد تبلغ قيمتها إذا روعيت طرق الاقتصاد أكثر من اثني عشر مليونا، غير ما ينفق على الجيوش، ومن هنا يفهم بسهولة أن مصر تدر على الوالي من الدخل أكثر مما تدر على السلطان، وبالأخص إذا داهم القطر الطاعون، فإنه عند ذلك تجمع الحكومة مبالغ طائلة في مدى الثلاثة أو الأربعة الأشهر التي اعتاد الوباء أن يمكثها في وادي النيل، فقد يبلغ دخله في يوم واحد من مائتي ألف إلى ثلاثمائة ألف ريال بسبب وفاة أشخاص يمتلكون قرى؛ لأن قوانين الحكومة تقضي برجوع ملكية هذه القرى إلى الخليفة بعد وفاة أصحابها، فيتذرع الوالي بهذا القانون للاستيلاء عليها لنفسه، ويستدر منها أموالا عظيمة. وقد يحدث في أسابيع أن تباع العين الواحدة ثلاث مرات بل أربعا، بسبب معاجلة الموت لمن يبتاعونها الواحد تلو الآخر. ا.ه.
ويستخلص من وصف ماييه أن المبالغ التي كانت ترسلها مصر إلى القسطنطينية أو تأخذها هذه منها هي:
600000 ريال
ترسل نقدا
600000 ريال
قيمة سلع وأمتعة ترسل عينا
100000 ريال
ترسل إلى دمشق
ويكون مجموع ذلك 1300000 ريال، أو بعبارة أخرى 260000ج.م.
أما نفقة المحمل ومائة ألف الريال الأخرى، فلا وجه لإضافتها إلى المبلغ السابق؛ لأنها كانت تصرف باسم مصر ولحسابها.
وقال إستيف في الصفحة 396:
إن النقود التي كانت تسمى الخزنة كانت ترسل في أول الأمر إلى القسطنطينية باحتفال مهيب.
وإليك ما رواه لنا عن الترتيبات التي وضعها لذلك السلطان سليمان قال:
قرر هذا السلطان أن يقوم واحد من الأربعة والعشرين بيكا بإحضار إتاوة مصر إلى مقر الخلافة، وأن يلقب هذا البيك بأمير الخزنة، وأن يوضع تحت تصرفه للمحافظة عليها سردار وشرذمة من الجند تنتخب من فرق الجيش السبع.
ومتى تم تحصيل الأموال يتوجه الروزنامجي إلى الباشا ومعه مبالغ الخزنة، وفي اليوم المقرر لتسليمها إلى أمير الخزنة يجتمع في القلعة رؤساء الوجاقات والبكوات والقاضي وجميع كبار موظفي الحكومة، فيعاين الصراف وهو كاتب الخزنة عدد النقود ونوعها، وشاغل هذه الوظيفة يكون إسرائيليا دائما، وبعد أن يوقع الباشا والروزنامجي على الأوراق المبينة بها النقود توضع في صناديق مغطاة بالجلد، ثم يسلمها الباشا إلى أمير الخزنة، فيعطيه مستندا بها.
وفي أثناء وضع الصناديق على ظهور الإبل المعدة لحملها، يخلع الباشا على أمير الخزنة حلة من الفراء الأسود فاخرة، وعلى الروزنامجي كذلك خلعة من الفراء الأسود إلا أنها أقل قيمة من تلك، ثم يوزع القفاطين على السردار المكلف بقيادة الحرس، ويجتمع البكوات والوجاقات عند سفر أمير الخزنة، ويحيطون به في موكب فخم أثناء مروره بالقاهرة، ويرافقونه إلى العادلية، وهي مكان بين القبة وبركة الحج، ويعلن من ليلة يوم سفره عن هذا الاحتفال بواسطة الألعاب النارية في العادلية، وكذلك بتواتر إطلاق المدافع حتى وقت السفر، ويسير أمير الخزنة إلى القسطنطينية مارا بدمشق.
وقد وجه السلطان سليمان نظره إلى جميع التفصيلات الخاصة بسفر الخزنة، حتى إنه عين ما يجب صرفه في نقلها وابتياع ما يلزمها من الصناديق والأكياس والجلود والسجاجيد لتغطيتها. ا.ه.
ويظهر أن هذه الطريقة بطلت بمرور الزمن، وبما أصاب الدولة العثمانية من الوهن، والدليل على ذلك ما رواه إستيف بالصفحة 397 إذ قال:
قبل مجيء الفرنسيين مصر كان الباب العالي لا يحصل على شيء من إتاوتها، إلا إذا أرسل إلى القاهرة أحد الأغوات خصيصا لذلك، وكان هذا الأغا لا يبعث إلا مرة واحدة في كل ثلاث سنين، ليتسلم ما قد تجمع للدولة من الإتاوة في هذه المدة، وكان لا يؤبه له في حضوره وسفره، بل غاية ما هنالك أن الباشا يسلمه في حضرة القاضي فقط النقود والأوراق الخاصة بالخزنة، وعلى الأغا أن يتخذ جميع الاحتياطات التي تكفل له الرجوع إلى القسطنطينية سالما. ا.ه.