القسم الثاني
| تعساء الشقاء حلفاء الفقر
«الفقر» هو الفاقة، والفاقة هي البؤس الحقيقي، ومن أصابته علة الفقر صار شقيا. والفقر متى حل بقوم جعلهم في نكد مستمر، وجلب عليهم الهم من كل صوب. ومن نكب بالفقر فهو من بؤساء الدنيا، والبائس من عاش محروما من مشتهيات نفسه. ولقد داهم الفقر طائفة من المشاهير الأعلام، نوابغ الدنيا وحكماء الكلام، وفلاسفة الدهور وعلماء الإسلام.
تراهم وقد حلينا برسومهم هذا الكتاب؛ إتماما للفائدة التي بسببها اعتمدت على الله عز وجل وقمت بواجب طبعه ونشره بين الناس، وأنا على يقين من أنه لم يسبقني في وضعه أحد، بل هو الكتاب الوحيد في هذا الفن.
الفارابي «الفارابي» وهو محمد أبو نصر بن محمد بن أوزلع بن طرخان، من مدينة فاراب ببلاد الترك، كان إماما فاضلا، وفيلسوفا كاملا، برع في الفلسفة وأتقنها وأظهر محاسنها، وتفنن في فن الموسيقى واخترع فيه ما لم يسبقه إليه أحد، وشرح كتب الأوائل. وكان في أول الأمر قاضيا ببلاده، فأودع عنده رجل من التجار جملة من كتب أرسطاطاليس، فتلاها فصادفت عنده قبولا؛ فانكب عليها بجملته. وتجرد عن مركزه وترك القضاء لأجلها وسافر إلى بغداد، وأقام بها. وقرأ المنطق على ابن حبلان، وقرأ النحو على أبي بكر بن السراج، ثم سافر إلى مصر، ومنها رحل إلى الشام وأقام بها إلى أن توفي سنة 1334 هجرية. وكان على ما هو عليه من العلم والحكمة والفلسفة قانعا باليسير من عيشه، ولم يتحصل من الرزق إلا على القليل التافه.
وفي آخر أيامه رتب له الأمير سيف الدولة أربعة دراهم يصرفها في الضروري من حاجاته. وترك من المآثر ما خلد اسمه على ممر الأيام، وهو أحد فلاسفة الإسلام الأعلام. «أخلاقه»: ولقد كان هادئا وديعا عاقلا دمث الأخلاق، حاضر الذاكرة، قوي الذهن، لا يهاب أحدا، وإن كان دائما كثير الصمت إلا أنه شديد الحفظ، وله من عزة نفسه العالية مكانة سامية تقصر عنها همة الملوك، وتسجد لعظمتها العظماء.
الخليل بن أحمد
وهو الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي الأزدي، كان إماما في علم النحو، وهو الذي استنبط العروض، وعنه أخذ سيبويه وغيره من العلماء. وكان رحمه الله متقللا من الدنيا، صبورا على العيش الخشن والضيق الشديد، وكان يقول: «لا يجاوز همي ما وراء بابي.» وكان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي والي فارس والأهواز، فكتب إليه سليمان يستدعيه بكتاب شديد اللهجة، فكتب الخليل رد جوابه بقوله:
أبلغ سليمان أني عنه في دعة
وفي غنى غير أني لست ذا مال
سخا بنفسي أني لا أرى أحدا
يموت هزلا ولا يبقى على حال
الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه
ولا يزيدك فيه حول محتال
والفقر في النفس لا في المال نعرفه
ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
فلما وقف سليمان على كتابه قطع عنه الراتب فاحتاج إلى ما ينفق، ولما اشتد عليه الحال ارتحل إلى البصرة وأقام في كوخ صغير من أكواخها لا يقدر على نفقة القوت الضروري، وأصحابه يكتسبون بعلمه الأموال، وكان دائما يتمثل بقوله:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله
وليس لهم حتى النشور نشور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم
وأجسادهم قبل القبور قبور
وكان إذا قدم على سيبويه يقول له: «أهلا بزائر لا يمل.»
وتوفي إلى رحمة الله فقيرا معدما سنة «170 هجرية» بعد أن ترك في عالم الأدب والعلم ما لا يندثر ويجعله في درجة عالية كأنه لم يمت، وسيبقى اسمه بين الناس ما بقيت مؤلفاته إلى يوم القيامة. ا.ه.
الترمذي «الترمذي» هو الإمام العالم العامل محمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الشافعي، كان رحمه الله مطبوعا على الأدب ومكارم الأخلاق، متحليا بالفضائل، سار ذكره مسير الشمس والقمر حتى ملأ الآفاق بعلمه، ولم يكن للشافعية أرأس منه في وقته، ولا أروع ولا أحشم.