نفوس البؤساء
ولما كان البؤس علة الإنسان في هذه الدنيا خلق الله للبؤساء نفوسا تجردت عن الملاهي، فأصبحوا بواسطة هذا التجرد لا يطربون إلا لقصص المنكوبين، ويتلذذون بسماع نوادرهم وأخبارهم، ويجدون في تلك الأنباء ما يعينهم ويسليهم على مصائبهم، ويشعرون عند تلاوة تلك القصص المحزنة بالراحة التامة والعزاء الجميل. وهكذا كل نفس منكودة تحن من طبيعتها إلى ذكر البؤس، والقلوب الموجعة تشتاق إلى الأفعال الطيبة إن لم تنعكس عليها المشاكسات الطبيعية التي تنشأ أحيانا من سوء الخلق وضيق الصدر، وخصوصا مع من نكبهم الدهر بالفقر المدقع.
ومن المقرر الواضح أن النفوس إذا خشعت في عنفوان شبابها، وكبرت على أطوار المحن والرضوح؛ أصبحت ولا شك تميل إلى الخير أكثر منها إلى الشر، وتتحاشى ما يوجب الضرر؛ وحينئذ يكون خشوعها عظيما لأنه صادر من أعماق الضمير. وإذا نالت تلك النفوس التي أدبها الفقر حظها من الغنى؛ انقسمت إلى قسمين: «قسم» يميل إلى عمل الخير جهد استطاعته؛ فيؤاسي البؤساء، «والثاني» يكون شرها شريرا لأنه ما تعود بسطة الكف، ولا وقف وقفة الكريم المتفضل؛ وما ذاك إلا لأنه وجد في عصر مظلم، وجو قاتم لا يعرف فيه نور الهدى. ولما كان كذلك تنوعت أعمال هذه النفوس وتغيرت أطوارها على اختلاف مشاربها وتباين طباعها، وأصبحت الطبيعة كأنها تشارك الإنسان في أحواله وأطواره، وكأن تلك العناصر والجمادات عوامل حية في ذلك المعترك الحيوي، الذي جمع بين طوائفه تهديد الضنك والأسى، ومغانم الحظوة والسرور، وصار بعناصره كالجيش المحارب في ميدان الجهاد؛ بين انتصار وخذلان، وأخذ ورد، وإقبال وإدبار؛ لتقضي كل نفس لبانتها، وتبلغ النفوس السعيدة شأوها من الغنى، ويتأهب البائس لاحتمال ضرورة الفقر والشقاء. ومن أدرك فربما قادته الضرورة إلى اقتحام أهوال الموت، وهو لا يعلم ولا يدري. ولله در الفيلسوف العربي حيث قال:
إذا كانت الأفعال يوما كأهلها
كمالا فحسن الخلق أبهى وأكمل
وإن كانت الأرزاق قسما مقدرا
فقلة جهد المرء في الكسب أجمل
وإن كانت الدنيا تعد نفيسة
فدار ثواب الله أعلى وأنبل
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت
فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل
وإن كانت الأموال للترك جمعها
فما بال متروك به المرء يبخل
اليأس
اليأس عنوان الشقاء، وأصل كل تعاسة، بل هو فاتحة الشر ودليل الخسران ومنبع الكبائر، كم بدد لذات ، وقوض من آمال، وأوهن من عزائم، وأذل من نفوس! بل هو علة مخلوقات الله تعالى. «اليأس والبؤس» كلمتان متشابهتان؛ فاليأس حليف الموت، والبؤس حليف الفقر. ومن بواعث اليأس: الهم، والغم، والشر، والشقاء.
وموضوع اليأس مريع حير فلاسفة العالم، وأدهش حكماء الكلام، وتاهوا في معنى أسبابه وحصوله. كم من ملوك دوخوا أقطار العالم، ورهبت بأسهم الدنيا! إذا استولى عليهم اليأس تراهم وقد تزلزلوا عن عروشهم، وتقوضت دعائم مجدهم، وفي لحظة واحدة تجدهم تحت رحمة القضاء العاجل والحتف المميت. وكم ملك فتح مدائن الأرض بمرهف سيفه، وهدم القلاع بقوة بطشه، واستعبد الأحرار بجبروته، وأسر الملوك بعزمه وحزمه، وسار القواد تحت أمره ورأيه، ومشت سنابك خيله على جثث العباد، ورفات الخلائق من بني الإنسان! ولو شاء لجرى القضاء طبق ميوله، واستلم النصر بيمينه، ولعب بالخلائق لعب الباشق بالعصفور الحقير، يقلبهم كيف شاء وشاءت أطواره وأفكاره، وبينما جيشه يسد فراغ الأرض، ويحجب غباره ضياء الشمس، وقد سطع شعاع سيفه كبرق لامع أضاء تلك الآفاق ليهتدي ببريقه جيشه وقواده، ومتى لعبت به صروف الدهر أو عاكسته الأيام؛ تجده وقد أشاح عنه القدر تلك العظمة، وزلزلته النكبات فهبط من سماء مجده إلى الحضيض الأسفل من الأرض، بائسا يائسا كأنه قنط من رحمة الله تعالى، وكأنه لم يكن شيئا مذكورا بعد تلك الانتصارات التي سطرتها له الأيام على جبين الدهر، ولم يوطد دعائم مجده وفخاره، وكأنه وهو في تلك الحالة من تقويض الآمال العظيمة ترك عليه الشقاء أثرا من بلائه؛ فأصبح يناجي الموت ليريحه من متاعب الدنيا ونحوسها، بعد أن كان يناجيه الحظ، وتخدمه السعادة، وتنحني أمامه الرءوس رهبة، والهامات هيبة وإجلالا. خانه الدهر وتنكرت عليه الأيام؛ فأصبح وكأنه لم يكن ذلك المخلوق المجدود الذي أسعدته ظروف الولادة. ومن أدراك به فربما مات شريدا عن وطنه، أو حكمت عليه يد غاشمة بالنفي الدائم أو السجن المؤبد؟! وهذا قليل من كثير ممن صادفهم سوء الطالع، وهم من الملوك العظام يضيق بنا المقام عن حصرهم.