تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان مع هذا العلم الفائق على جانب عظيم من الفقر المدقع، وكثيرا ما كان يقول: «إن سعادة الحياة وهم باطل، ونعيمها خيال مائل، ومتاعها عرض زائل، سرورها أحزان، ولذتها آلام، ولو كنت أعجب بشيء فما أعجب إلا بمن تعلقوا بحب الدنيا، وهاموا بسعادتها الموهومة، وأطربهم سماع لفظة «السعادة»، تلك الكلمة الحلوة، حتى تخيلوها نعمة ما فتحت عين ابن آدم على أتم منها حسنا، ولا أجمل منها صورة، وباتوا يتهالكون في السعي خلفها ليدركوها، ولكنهم عجزوا عن لحاقها ولم يجدوها، وأخيرا بحثوا عنها فلم يقفوا لها على أثر، وأين يجدون هذه السعادة؟ أفي قصور الملوك ومقاصف الأمراء، حيث يضرب الهناء قبابه، ويوطد أطنابه، وتتسرب الحظوظ في جميع أماكنها، أم في بيوت الفقراء الحقيرة، حيث يحل الفقر وينيخ ركابه؟» «وله في وصف الحياة»: ما أكثر خداع هذه الحياة! إنها كالسراب يحسبه الظمآن ماء، كلما جد في طلبه ازداد بعدا، وكلما يئس وتوانى عن طلبها؛ أبرقت له وازداد لمعانها، عساه أن يوفق للحاق بها. «وكان دائما يقول وهو في أشد حالات محنته»: ما أضيقك أيتها الحياة لولا فسحة الأمل الكامن في صدورنا!

وكان رحمه الله صبورا على الشدائد والعيش الخشن، حتى إنه ليصح عنه أن يلقب ب «أمير البؤساء». قيل إنه من شدة فاقته مكث سبعة عشر يوما لا يقتات إلا لفتا، كل يوم وليلة يأكل واحدة. وتوفي إلى رحمة الله فقيرا معدما، وعلى منتهى البؤس والفاقة، لا يجد قوت ليلة، وكانت وفاته سنة «295 هجرية».

جحظة البرمكي

وهو أبو الحسين أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، كان فاضلا أديبا صاحب فنون وأخبار، ونوادر وأشعار، ومنادمة ومجون، وخلاعة وشجون، نشأ في حجر الخلافة العباسية، وترعرع في مهد العز والرفاهية، وناهيك بآبائه الكرام، بني برمك أشهر كرماء الإسلام. ولد جحظة والدنيا زاهرة زاهية، وعائلته تفوق الملوك بالكرم والسخاء، حتى بات الخليفة يحسدهم ويغار منهم، وسرعان ما أضمر لهم السوء فنكل بهم تنكيلا شديدا.

وأصاب البؤس جحظة كما أصاب أجداده من قبله، وبات لا يملك ما ينفقه، وكان لشدة تعلقه بالعلم يمكث طول ليله يراجع النكات الأدبية، ومباحث العلماء والفقهاء، ولما لم يجد ما يضيء يغتم غما شديدا، وينكب على وجهه من شدة الكدر. ومن لطائف شعره:

وقائلة لي كيف حالك بعدنا

أفي ثوب يسر أنت أم ثوب معسر؟

فقلت لها لا تسأليني فإنني

أروح وأغدو في حرام مقتر «ومن محاسن نثره»: لقد طلبنا السعادة في المال فما وجدنا، وفي الحياة فما استفدنا، وفي الفقر فما استرحنا. وإذا طلبنا السعادة وأردنا أن نعيش سعداء؛ نفرت منا، واحتجبت عنا، وأصبح من المستحيل أن نتمتع بالحياة الحقيقة، والسعادة المرغوبة في هذه الدنيا. ورغما عن العوارض التي تعترضنا فلا بد من الوصول إلى أوهام السعادة، وإذا لم نعثر عليها فلنطلبها في الخيال الوهمي، لنطلبها في الأمل الفسيح الذي نبتهج به، ويسطع لمعانه على نفوسنا فيبدد ديجور ظلامها الحالك. «وله من الحكم المأثورة»: إننا نتوق كثيرا إلى السعادة، ولكننا لا نعرف كيف السبيل إليها.

وتوفي حزينا مكتئبا فقيرا بائسا سنة «326 هجرية».

النضر بن شميل

النضر بن شميل هو العالم المتبحر، الشاعر التميمي المازني النحوي البصري، بل هو أعلم أهل زمانه بفنون العلم والأدب، وهو صاحب «غريب الحديث»، ومن أصحاب الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي.

ضاقت به الحال بالبصرة فخرج يريد خراسان عساها أن تكون سببا في اتصال عيشه واتساع رزقه؛ فشيعه من أهل البصرة نحو ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث أو لغوي أو عروضي أو إخباري. فقال لهم: يا أهل البصرة، يعز علي فراقكم، ولو وجدت ما يسد رمقي بين ظهرانيكم ما فارقتكم.

فلم يتكفل أحد بطعامه، وسار حتى دخل بغداد، فدخل على أمير المؤمنين المأمون في ثوب مرقوع، وهو في شدة الفاقة والفقر، فقال له المأمون: ما هذا التقشف؟! فقال: يا أمير المؤمنين، شيخ ضعيف، وحر شديد؛ فأتبرد بهذه الخلقان. فقال المأمون: لا، ولكنك قشف. ثم تجاذبا أطراف الحديث إلى أن أدى بهما إلى السداد بمعنى البلغة، وسد الثلمة، فأورده المأمون بفتح الثاء، فرده النضر وبين له أن المفتوح إنما هو القصد لا البلغة، فأمر له عند انصرافه بخمسين ألف درهم يقبضها من الفضل بن سهل، فصرفها له الفضل ثمانين ألفا عند وقوفه على سبب الصرف. وتوفي النضر بمرو سنة «402 هجرية» وهو معدم في شدة الإملاق.

البؤساء في عصور الإسلام · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البؤساء في عصور الإسلامص ٩