تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومهما كان من فظاظتهم، ومنتهى ضلالهم في إزهاق أرواحهم؛ تجدهم يستهينون بالموت، ولا لوم عليهم إذا ارتكبوا جريمته؛ لأنهم ما رغبوا في عذابه إلا فرارا من نكد الحياة وشظف العيش المهمين، ولذا تجدهم دائما في كساد حال وتعبيس وجه، إلى شكوى هموم واحتمال أشجان. وهم قوم قد لازمهم سوء الطالع؛ فأصبحوا بين ويلات عديدة تعددت أطوارها، وتراكمت حوادثها؛ من فقر مدقع إلى مرض وبيل، وعذاب مهلك، وحتف مميت، ومن يأس عاجل إلى تكدير صفو، ومحنة دنيا، وبلاء أيام. ولو ساعدهم الحظ لكانوا سعداء، وما في ذلك لوم، وإنما الذنب على الطبيعة الجائرة والقدر المتاح، وما عليهم من وزر إذا أطاعوا القضاء في واجب حكمه، ولاذوا بالفرار من دنياهم؛ ليستريحوا من عذاب البؤس، ويجدوا في الموت راحة بعد ذلك العناء الوبيل. وما هي غير حشرجة الموت، واختلاج الروح في جسم ضعيف؛ ثم تنتهي الحياة بخروج آخر نفس كان يتردد فيه، وفي مدة لا تتجاوز طرفة عين تصعد الروح لباريها العظيم. وأكثر البؤساء يجدون الموت سهلا مع ما فيه من عذاب أليم وهول شديد، وسواء لديهم أن كان قتلا أو خنقا أو غرقا أو حرقا، وفي يقينهم أن الروح دخلت الجسم بسهولة وتخرج منه بسهولة. «قيل» إن عروة بن الزبير لما قطعت رجله وفصلوها عن جسمه لم يعبس وجهه، ونظر إليها وهي بين يديه وقال: أي قدمي، إني سخي بنفسي عنك؛ لأني لم أنقلك إلى خطيئة قط. ثم تمثل بقول معن بن أوس المزني:

لعمرك ما أهويت كفا لريبة

ولا حملتني نحو فاحشة رجلي

ولا قادني سمعي ولا بصري لها

ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي

وأعلم أني لم تصبني مصيبة

من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي

ثم قال: ليهنك إن أخذت لقد أبقيت، وإن ابتليت لقد عافيت. وكذلك ما حكي عن الحسين بن منصور الحلاج العابد الناسك الصوفي؛ غضب عليه الخليفة المقتدر العباسي فحبسه سنتين، ثم سلمه إلى حامد بن العباس في دار الشرطة فضربه ألف سوط، ثم أمر بقطع يديه ورجليه، ففعل به ذلك وهو يقول:

أحرقه الود الذي لم يكن

يطمع في إفساده الدهر

ما قد لي عضو ولا مفصل

إلا وفيه لكم ذكر

ولم يتأوه أو يستغيث بأحد، ثم أمر به فصلب على خشبة. «ودخل عليه عمر الصفار الصوفي» وهو مصلوب فوجده ضاحكا مستبشرا لم يتلفظ بألفاظ قبيحة تكره سامعها، فقال له: ما التصوف يا حسين؟ فقال: هذا أوله ، واصبر كما أنت الساعة ليبدو لك آخره. وبينما هما كذلك وإذا بوالي الحبس قد جاء ومعه شرذمة من الجند فأمرهم بإنزاله عن الخشبة المصلوب عليها لتضرب عنقه، فصاح بأعلى صوته: يا ابن الصفار هذا آخر التصوف! ثم ضربت عنقه وعلقت رأسه على سور السجن، وبعدها أحرقوه بالنار. وأمثال هذا النوع من البؤساء كثيرون، وعموم البؤساء يجدون أن النزوح عن الدنيا أمر لا ريب فيه، ومتى حل بهم كرب لا يتطلعون إلى نعيم الحياة، ولا تتوق أنفسهم إلى بهجة الأيام، ولا يدرون لفراق العالم طعما، ولا يضجرون لبعد الأحبة ذلك البعد الطويل، الذي يبتدئ بسفر لا عودة منه. ولا ترهبهم وحشة القبور الدارسة، بين خرائب عاطلة، لا أنيس فيها غير بوم ينعب وغراب ينعق، في سكون هادئ رهيب، ولا يروعهم البلى، ولا يدهشهم توسد الثرى، ولا نهش الحشرات تلك الأجسام الناعمة؛ حيث يذوي ذلك الجمال، وتندثر محاسن ذلك القد الرشيق، والقوام العادل الفتان. ولو تأملنا حالة البؤساء بإمعان شديد وجدنا كل سراء وضراء لا تؤثر عليهم؛ فسيان عندهم الموت والحياة، لا فرق لديهم بين الترف والنعيم، والعذاب والجحيم، وسيان عندهم تمتعوا بالخيرات الوافرة والسعادة الدائمة، أو عانوا أهوال البؤس ودواهيه، والفقر المدقع الوبيل، في شظف العيش ونكد الأيام.

ولا عجب إذا ابتسموا للموت، وهشوا للمصائب، وحنوا للحتف العاجل، واستبسلوا للعناء، ولم يجزعوا وهم في حالة النزع الأخير ... وفي شرعهم الذي شرعوه، وقانونهم الذي نهجوا عليه، أن الموت راحة من كل عناء، وهو الدواء الناجع لكل محزون كئيب، بل هو للبؤساء جل أمانيهم ومنتهى رغباتهم، ومع ما في الموت من عذاب يقابلونه بوجه طلق، ومحيا وضاح، وثغر ضاحك بسام، كأنهم لا يخشون قدرة حاكم سرمدي، لا يرد له حكم، ولا يفلت من قضائه أحد.

البؤساء في عصور الإسلام · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البؤساء في عصور الإسلامص ٦