ولو تمعن العاقل في أطوار هذا الوهم لوجد أن ليس مع السلوان عيش، ولا مع القنوط عمل، ولا مع اليأس حياة، وليس أجلب للشر من وهم يخرج بالنفوس عن أطوارها، أو يأس يقفل باب الرجاء في وجه صاحبه؛ فيمثل له خيال الموت في أجمل صورة، ويصور له الدنيا بأشنع شكل وأقبح هيئة؛ فينتحر تخلصا من شقائه الذي هو فيه ليستريح من بؤس هذا العالم ومتاعبه. «البؤس» كلمة تدل على الشقاء، وهو شكل غير محسوس ولا ملموس، ومعناه الإملاق والعدم والفاقة والضنك والفقر. «والبؤس» أصل تعاسة الإنسان وسبب شقائه ومحنته وبلائه. والبؤس في عرفهم باب كل ويل، وسياج الكرب والقهر والغم؛ إن حل في مخلوق جلب إليه سوء الطالع، وجعله في تعب مستمر غير مرتاح الضمير، ونغص عليه حياته، وفتح له طريق الموت، وصيره على هلاك نفسه قادرا جريئا لا يخاف ولا يفزع.
ولقد خلق الله الموت للحياة ضدا لفني العالم، كما شاءت قدرته العلية في عصر محدود ودهر معدود، وكما خلق جل شأنه الموت للحياة ضدا، خلق الذكاء للشقاء حليفا؛ ولذلك لا تجد ذكيا إلا والشقاء يحدوه، وفي الحديث الشريف: «ذكاء المرء محسوب عليه.» وكما خلق الله الذكاء للشقاء حليفا، خلق الحسد للفضل قرينا؛ ولذلك لم تجد في الناس فاضلا إلا والحساد يحومون حوله، وقال الشاعر:
إني حسدت فزاد الله في حسدي
لا عاش في الدهر يوما غير محسود
لا يحسد المرء إلا من فضائله
بالعلم والحلم أو بالفضل والجود
العالم دولاب دائر لا ينتهي إلا بانقراض الكون، ولو نظرنا إلى أمور هذه الخلائق وجدنا حكما لا تندثر أبدا، ودروسا من الوعظ لا ينتهي منها اللبيب ويرعوي منها العاقل. أيها البؤساء، يا من ألبسكم الدهر ثياب الحزن، وألقاكم في وهاد الهموم؛ عليكم بالصبر وطول الأمل؛ فإنكم إذا ثابرتم عليهما بلغتم كل أمنية. ولا تحجموا عن الإقدام والسعي في معترك الحياة؛ لأنهما أساس عمران هذا العالم. وبالإقدام على عظائم الأمور تنالون الشرف، وتحظون بحظوة المجد، وتخرجون من وهدة اليأس إلى ذروة العلياء، وتصعدون من حضيض الخمول إلى غاية العز والسؤدد. فثبتوا أقدامكم، ووطنوا نفوسكم، تنالوا رغباتكم، والله معكم.
البؤساء
لو نظرنا إلى فلسفة هذا العالم وحكمة المبدع الحكيم في خلقه؛ لوجدنا أن جميع علماء الأرض وفلاسفة الكون على الإطلاق ما هم إلا من وسط ضاق به الحال، وأصبح من شدة الضنك لا يملك درهما، والجميع بحمد الله صفر اليدين من الغنى، وكفى بأنبياء الله حجة على ذلك وبرهانا ناصعا لا مراء فيه. «البؤساء» قوم وضعتهم الدنيا في أخشن مواضعها، وداهمتهم الأيام بالمصائب فاستهانوا بنكباتها، وجفاهم الحظ فرضخوا لأحكام القدر، وصادقهم النكد فحفظوا له واجب الصداقة ولم ينقضوا له عهدا، وسئمت منهم الأيام فكانوا عليها عالة، وأمرتهم الطبيعة بالذل فنبذوا أمرها، وهجروا صفوها؛ فسخرتهم للحياة فساروا في سبيل الموت سراعا. «البؤساء» قوم خلع عليهم الدهر حزنه وجر عليهم فضل بلائه؛ فأوقفوا بعض حنين قلوبهم إلى غير ما تحن إليه من صبابة المحاسن والجمال، وهاموا في وهاد الدنيا وأتوا بأعمال من الأشجان لا تدخل تحت حصر، فتراهم مع ما هم عليه من بواعث الحزن والنكد لا ترتاح نفوسهم الأبية إلا لعمل الخير، وتراهم وهم في أشد حالات المحنة يعطفون على البؤساء أمثالهم، ويميلون من تلقاء أنفسهم إلى من جفاهم الحظ وسحقتهم الهموم. «البؤساء» قوم خطت الطبيعة على جبينهم سطور الشقاء، ومشى الدهر خلفهم يومي للمصائب نحوهم ببنانه؛ فتبعتهم ملبية أمره، وتنقض عليهم منفذة أحكامه. «البؤساء» طائفة رمتهم سهام القدر؛ فباتوا للبلاء عرضا، وأصبحوا في هذا الكون حيارى لا يهتدون إلى منار السعادة، ولم يبلغ بهم سفين الحياة شاطئ السلامة.