ومن الغريب المدهش أن البؤس عادة لا يحل إلا بالفطاحل الأعلام - علماء الدنيا - وفلاسفة العالم، ولا يعترض إلا حكماء الكلام، وحملة الأقلام، والحكماء والشعراء، وكل نابغة لا يستهان بعلمه وذكائه.
ولما كان البؤس أصل كل بلية في العالم؛ أصبح لكل فرد منه أكبر نصيب، وهيهات أن يخلو منه مخلوق.
فضائل البؤس
وفضائل البؤس كثيرة، ومنها: الورع، والتقوى، والثبات، والصبر، والتجلد على المصائب، ومكافحة الأهوال، ومعرفة الله جل شأنه والتفرغ إليه سبحانه وتعالى، واليأس من الدنيا، والاهتمام بالآخرة. والبؤس عادة يوجد الطمأنينة في النفوس، ويحض على اعتزال العالم والانفراد عن الناس، والانقطاع إلى عمل واحد، والتبحر في العلوم والمعارف.
ولو نظرنا إلى البؤس من حيث حقيقته وجدناه أقوى سبب في تذليل النفس؛ بل هو الباعث لها على الانقياد والإذعان، والرضوخ والطاعة، والميل إلى حب الخير والعبادة والإحسان ... إلخ.
مساوئ البؤس
ومساوئ البؤس كثيرة، منها: التأفف، والضجر، واحتمال الهم، والكمد، والنزق، وضيق الصدر، وسوء الخلق، وقطع العشرة، والانحراف، والانكماش عن الخلق، والقهر، والإكراه والغلبة، والتطبع بالأخلاق المرذولة، وفساد الطوية، والخديعة، والمكر، والدهاء، والذل، وشدة الغيظ، وعدم المبالاة، واحتقار النفس، والبله، والطيش، والغباوة، والبغض، والعداوة من غير سبب، والعجز، والجموح، ووساوس الصدر، ومعصية الخالق، وشدة الحسد، والحقد، والميل إلى الشر، والمعاكسة، والتطبع بالرذائل، وارتكاب الدنايا، والنقائص، والهذيان، والمرض الذي يؤدي إلى الجنون وينتهي بالتفاني في حب الموت.
الوهم والبؤس
خلق الله الإنسان من ضعف؛ فكان الوهم أول قرين له، والوهم من حيث تكوينه في الإنسان دواء الإهمال المخيف، بل هو العلقة الوحيدة التي تعلق بكل نفس جامحة إذا استولى عليها الضعف وخور العزيمة. بل هو الغاية التي يبني عليها البائس يقينه، ويشيد دعائم أركانه. بل هو الدعوى التي يؤيد بها برهانه، وتجري عليها نواميسه؛ ليوطد بواسطتها أحكام تخيلاته وتصوراته وما يعنو له من علوم مخيلته، ويستنتج منها عاداته وأطواره، وكأنه بتلك الأوهام يحيا، وبها يسمع ويرى، وعليها يموت وتنقضي أيامه.
والأوهام عبارة عن آمال كبيرة تتغلب على العجز والضعف والقوة، وهيهات أن تخلو منها أمة من الأمم، أو شعب من الشعوب. وربما تقف هذه الأوهام في سبيل بعض البائسين في حين من الأحيان؛ فتكون لهم حجابا من الأمل الغرار. وبهذا الوهم الكاذب ترتفع عنهم البلوى، وتنتهي، بل يهون نكد الدنيا، وتندثر جريمة الانتحار من مخيلتهم.
وقد يحدث من الوهم موت عاجل يقتل المتوهم مهما كان رقيق الإحساس، شريف العواطف، أو شجاع القلب، عظيم الجسم. وربما يكون حياة من نكد وبيل، يخلص من الموت كل منغص حزين، وكأن هذا الوهم يمثل للبائس وهو متأهب للانتحار، متقدم للإجهاز على نفسه زينة الحياة الدنيا، ويحبب إليه السعادة والغنى؛ فيتوقف عن إتمام الجريمة، ويبتسم للسعادة، ويستريح بهذه الآمال التي قادها إليه الوهم وهو على هاوية الهلاك؛ فيرجع عن عزمه، ويتوب عن غيه.
وهكذا بني الوهم من قديم الأزل على شرائع الأمم وأعناق البشر في نواميس الوجود، وبرهانا على ذلك غير الدهر وحوادث التاريخ.
والوهم ينقسم إلى قسمين؛ «الأول»: يفني الأمم ويؤدي إلى العدم، حيث تنتهي الحياة على أي حال من الأحوال، «والثاني»: يعود أملا يبعث بنفوس البائسين إلى الجهاد في معترك الحياة؛ ليحصل كل آمل على مناه، ويحظى بالغاية التي يرجوها. وكل أمة فشا فيها داء الوهم أصبحت مزعزعة الأركان، وصار التعلل لها غرضا من الأغراض الدنيوية تغدو وتروح؛ حيث تقودها الأوهام فتسير على غير هدى، وتنقاد في جميع أحوالها بأزمة الوهم الكاذب الغرار.