مع أن الحقيقة فيما قالت الحكماء: «لا يأس مع الأمل، ولا أمل مع اليأس.» وهيهات أن ترى بائسا إلا والقنوط أول دعاويه، وهو العلة التي يبني عليها أسباب يأسه وبؤسه، ولم يقتصر على ذلك حتى يتهم الأقدار في دعوى اعتلاله. «ومن البؤساء» قوم ينسبون أسباب بؤسهم للذات العلية، معترضين على سوء حالهم وسعادة غيرهم.
وهيهات أن ترى بائسا في مكان إلا والشقاء مخيم عليه، وعواصف الأقدار تلعب به كريشة في مهب الريح، لا تستقر على حال، ولا تدري إلى أي جهة أو هاوية تلقيها العواصف.
وكثير من البؤساء عندما يشتد بهم البؤس؛ يرغبون في الموت بكل وسيلة، ويناجون الهلاك بوجدان شديد، وشعور غريب؛ فتنطمس أمامهم الحقائق، وتصغر العوالم، وتضيق عليهم الدنيا على اتساعها؛ فيزدرون بالكون وعظمته، والدنيا وبهجتها، والمجد وأبهته، والسلطان وصولته، وتغيب عنهم الذاكرة فيجحدون الخالق والمخلوق، ويشذون عن طبيعتهم، وينكرون المطامع والآمال، ويرسخ في اعتقادهم أن الله اختصهم بالبؤس دون الناس؛ لأنه تركهم وتخلى عنهم. ثم يعودون إلى هداهم؛ فيعلمون أن الدنيا متاع غرور، وهناء موهوم، وأمل كاذب، وسرور باطل، وظل زائل، يمقتها اللبيب ويحتقرها العاقل.
والبؤس على كل حال مميت الشعور، مذهب الإحساس، مدل على الموت، مجلب للفناء والهلاك. ولهذه الأسباب أصبح البائس يتشجع للردى، ويستهدف للحتف، ويحن إلى الموت، ويعبث بالأهوال، وما هي غير فترة ثم تراه حاقدا على نفسه، ناقما على غيره، ويشعر أن حياته أصبحت حملا ثقيلا عليه، كأنه عالة على المجتمع الإنساني، وتصبح تلك الحياة لا قيمة لها عنده، وتتسرب إلى مخيلته فكرة الموت؛ فيستنبط الحيل التي تسهل له طريق الانتحار، ومتى تهيأت له هذه الحيلة سعى في تنفيذها ليستريح من عذابه، غير هياب من الموت وشناعة الانتحار، وسيان عنده إن لامه الناس أو عذروه، أو أصبح في أفواه الجميع سبة إلى الأبد؛ فيقابل الموت بوجه طلق، ويعاني حشرجته بثغر ضاحك ما تعود الابتسام في ساعة القنوط. وقد جاء في أمثال الحكماء: «خف من البائس فإنه لا يخاف.»
وقال بعضهم:
إني تركت لذي الورى دنياهم
وظللت أنتظر الممات وأرقب
وقطعت عن نفسي المطامع ليس لي
ولد يموت ولا عقار يخرب
أنواع البؤس
والبؤس مهما تنوعت مصائب الناس في أسبابه وحصوله ينقسم إلى ثلاثة أقسام أصلية، وهي:
القسم الأول:
علل البؤس.
القسم الثاني:
تعساء الشقاء حلفاء الفقر.
القسم الثالث:
تعساء الحظ.
هذه هي الثلاثة أقسام الأصلية، وجميع أنواع البؤس ينحصر في هذه الأقسام، وأما ما زاد على ذلك فيعتبر فروعا لها. «والبؤساء» على تباين مقاماتهم وعقولهم يختلفون باختلاف الأطوار والأعمال؛ فمنهم من تلاحظه العناية فيخلق سعيدا مرزوقا من المهد إلى اللحد، ولكنه مصاب بعلة من العلل التي تعترض البؤساء أصبح من أجلها بائسا، مهما كانت درجته وسمو مركزه وعلمه وحظه. «ومنهم» من يرزق الحظ والغنى، ولكنه في حاجة إلى غرض يجد نفسه في شدة الشوق إلى الحصول عليه، وكل ميوله متحولة إليه، وإن لم ينله أصبح منغصا. فإذا اعتبرناه بائسا فما ذلك إلا لأنه يطمح لأمنية، والفرصة غير سانحة له، ونقدر ميول نفسه لهذه الأمنية بقدر درجة بؤسه وتعاسته، مهما كان غنيا ومهما كان سعيدا. «ومنهم» من يكون سعيدا بغناه، يعطي ويتصدق وهو في أمن ودعة ورخاء عيش، يهب ويمنح إلا أنه بعد زمن تزول عنه هذه النعمة فيصبح فقيرا بائسا. «ومنهم» من يخلق سعيدا؛ كأن يكون ابن ملك أو أمير يتمتع بجميع أسباب الغنى والسعادة واليسار، ويتولى الملك بعد أبيه، إلا أنه مصاب بمرض يلازمه من وقت إلى آخر؛ فيقضي على أسباب سعده وينغص عليه هناء عيشه في بحبوحة مجده. وهذا يعتبر من البؤساء لأنه مصاب بعلة تجعله كئيبا فهو بائس، «وفي عرف الفلاسفة» أن من أصيب بعلة أو مرض مهما كان غنيا أو ملكا فهو بائس؛ لأن المعافى من البؤس من كان سليم الجسم سليم البنية سليم العقل، يتمتع بثروة طائلة، وزوجة صالحة، وذرية طيبة، فهذا هو الخالي من البؤس، وأما من كان منغصا في حياته ببعض الطوارئ فهو بائس. «ومنهم» من يسعد تارة ويفتقر أخرى، وهذا أيضا من البؤساء. «ومنهم» من يصادفه البؤس عرضا؛ كأن يكون غنيا فيسرق ماله، أو تاجرا فتلتهم النار تجارته؛ فيجفوه زمانه، وتعاديه إخوانه. «ومنهم» من يجور عليه زمانه، فيغضب عليه سلطانه؛ فينفيه إلى أبعد البلدان ويشرده عن الأوطان، ويشتته عن الإخوان، فيعيش في أسوأ حال. «ومنهم» من يصاب بالجنون فيختل نظامه، ويعتل كيانه. «ومنهم» من يكون ممتعا بالخيرات، محفوظا بالبركات، فيقع في معصية، أو يصادفه البؤس من طريق عدو مباغت، أو عذول مزاحم. «ومنهم» من يباغته الوجدان، فيهيم بمحاسن الجمال الفتان - وهذا النوع من البؤساء بالمعنى الحقيقي؛ لأنهم يتحملون علاوة عن علل الأوصاب عواطف الحب، والميول الغريبة، والأشواق، والغيرة، والهم، والحزن، والقلق، واشتغال القلب بمحاسن المحبوب إلى غير ذلك - وإذا رجعنا إلى سبب البؤس وجدناه لا يكون إلا من علة الفقر.