تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما كاد ممتاز بك العفيفي يقف على هذا الخبر المدهش حتى انزعجت نفسه أيما انزعاج، وارتبك ارتباكا شديدا، ولكنه كان قوي البأس صعب المراس، ما كاد يستسلم للأفكار طويلا حتى عنت له فكرة، فأمر بجمع من معه من الجنود الأربعمائة، ووقف بينهم خطيبا فقال: تعلمون أيها الأبناء أننا أصبحنا في خطر شديد، وها هو محمد علي باشا قد قام منذ أيام بمذبحة دموية هائلة، قطع فيها دابر المماليك، بل قضى على البقية الباقية منهم، وصدرت أوامره بعد ذلك إلى جميع مديريات القطر المصري بقتل من يجدونه من الأتراك، وبما أننا في أول الأمر، ولم يكن من سمع بهذا الخبر غيري؛ فيجب أن نتأهب للرحيل منذ هذه الساعة، وأستحضر لكم مراكب وذهبيات تحملون فيها متاعكم وما ملكته أيديكم من مال وطعام، وإياكم أن تتركوا سلاحكم وذخيرتكم؛ إنها خير حافظ لكم وبها تعرفون كيف تقاتلون عدوكم.

وفي مدة وجيزة كانت عساكر الأربعمائة قد احتلوا جميع المراكب الراسية في البحر اليوسفي بإقليم الفيوم، وشحنوها بخيراتهم وأموالهم، وأخذوا حريمهم وأطفالهم، وساروا في النهير «بحر يوسف»، حتى انتهوا إلى النيل جهة ديروط، ومن هناك استقاموا في النيل يغالبون التيار بمراكبهم، وقد فردوا لها القلوع حتى وصلوا إلى أسوان، ومن هناك واصلوا سيرهم في النيل حتى انتهوا إلى مدينة دنقلة.

وكانوا على آخر مجهود من التعب، وقد أثرت في صحتهم أهوال السفر ومشقات الانتقال في حرارة الشمس المحرقة والتجديف، إلى غير ذلك.

وكان هناك في مدينة «دنقلة» قد سبقهم عدد عظيم من مهاجري المماليك، واتخذوا بلاد النوبة مسكنا لهم.

وعسكر ممتاز بك العفيفي بقافلته هناك، وأخيرا دلوه على قرية مهجورة قد رحل سكانها، فأعجبه مناخ هذه الجهة فاتخذها مسكنا له ولأتباعه، وابتنى فيها قصرا فخما يشرف على النيل، أقام فيه مع جنوده الذين كانوا في بيوت صغيرة متقاربة من بعضها.

واتسعت إدارة ممتاز بك العفيفي فصار يشار إليه بالبنان، وأصبح بفضل استيلائه على كنوز الذهب الغشيم من أغنى الأغنياء، وكان وقتئذ عمر ابنه صادق إحدى عشرة سنة، فأرسله إلى فرنسا ليتلقى العلوم والمعارف، فمكث في باريس إلى سنة 1822م؛ فنبغ نبوغا هائلا، وأرسل إلى والده آلة بخارية (وابور طحين)، وعرف كيفية تركيبه وإدارته، فكانت أول آلة دخلت السودان.

وعاد صادق بك العفيفي يحمل شهاداته العالية، وقد قرت به عين والده.

وتصادف أنه من سوء طالع صادق بك العفيفي أنه بعد أن تثقف عقله بالعلوم والمعارف، وصار من أفاضل عصره وأمهر علماء وقته؛ اغتالت المنية والده، فحزن عليه حزنا شديدا، إلا أنه وجد أن الحزن لا يفيد؛ فانصرف إلى أشغاله وإدارة أملاكه الواسعة، فسافر إلى باريس ليستحضر المسيو فورينة ديلانوا؛ ليبحثا معا على مناجم الذهب، ومتى تحصل على ثروة عظيمة يغادر بلاد السودان إلى فرنسا، حيث هناك يعيش خلي البال، ويطلق لنفسه العنان في تلك الحرية المتناهية. وما كاد يعود من فرنسا حتى وجد الجيوش المصرية قد دخلت السودان قهرا، بعد أن أعملوا السيف في جميع المماليك الذين استوطنوا هذه البلاد.

2

ولما نظر إلى ما حل بقومه وأبناء جنسه من الممالك، وما كان من محمد علي باشا الذي جعل فتح السودان ذريعة إلى إعدامهم جميعا، والقضاء على هذه البقية منهم، بما يجعل إراقة هذه الدماء وسيلة إلى تثبيت عرشه بمصر، اعتقل محمد العفيفي رمحه، وتقلد سيفه، وتدرع بآلة حربه، ووقف أمام جماعة أبناء المماليك الذين هاجروا مثله إلى بلاد النوبة، واتخذوا السودان موطنا لهم خوفا من محمد علي باشا، الذي كان من أخطر الناس عليهم، هربوا من وجهه فكان خلفهم بالمرصاد يتعقبهم في كل مكان.

وقف صادق العفيفي وقفة القائد الباسل يحرض جنود على وجوب القتال، مستمدا حكمته من قول الأستاذ المتنبي:

البؤساء في عصور الإسلام · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البؤساء في عصور الإسلامص ٣١