تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كره الدنيا وما عليها، كره حياته وتمنى لو تصادفه منيته، ولكنه رغم ما حصل له من الاضطهاد، انتقل إلى الأورطة التي اندمج بين ضباطها، وهناك وجد من سوء المعاملة والتحامل الشديد، ما جعله في حالة من اليأس لا مزيد عليها. انزوى في خيمته المخصصة له لا يزور ولا يزار، تذكر وهو في وحدته ما قام به من الأعمال الخالدة، وهو الذي ترجم قانون التعليمات والتشكيلات من اللغة الفرنساوية، وضاهاه على قانون التعليمات التركية، وكان ماهرا في اللغتين، فأخذ على عاتقه إخراج كتاب التعليمات العسكرية، ولما عرضه على نظارة الحربية أقرته اللجنة الاستشارية، وصدر المرسوم العالي بإعطائه خمسمائة جنيها مصريا مكافأة له. تذكر أنه الشاب الوحيد الذي يجيد ثلاث لغات ويقرأ بها ويكتب جيدا، وهي؛ اللغة الفرنساوية، اللغة التركية، اللغة العربية. وعلاوة على ذلك فقد كان أعلم الضباط بجميع الفنون العسكرية؛ البيادة، والسواري، والبحرية.

وتصادف أن الأورطة السابعة نقلت إلى الإسكندرية؛ فانتقل معها، وهناك شعر بالمضايقة الشديدة، حتى كاد قومندان الأورطة أن يحجر على حريته بناء على التوصيات التي وردت إليه، وتصادف أن محمد أفندي المرزوقي تعرف في الإسكندرية ببعض من الإخوان الذين لا دأب لهم إلا الإدمان على الخمر، والاندماج حول موائد القمار، فوجد في ذلك راحة يتسلى بها؛ فأخذ يسكر ويقامر، تارة يربح وأخرى يخسر، حتى فقد كل ماله، وفي هذه الفترة توفي والده، وكان من تجار البورصة، وعاكسته الحظوظ فخسر كل ثروته، ولما لم يحتمل هذه المصيبة أثر عليه الحزن فمات.

وما كاد يسمع بموت والده حتى اشتدت عليه المصيبة، وحزن حزنا شديدا، حتى صار في ذهول من شدة اليأس، ولاحظ قومندانه عليه ذلك فأرسل في طلبه، فلما مثل بين يديه أخذ في تعنيفه وصار يوبخه توبيخا صارما. ما كان محمد أفندي المرزوقي يسمع هذه الإهانة حتى تأكد بل علم أن الرجل يقصد النكاية به؛ فاشتد به الغيظ، وانفجرت في صدره مرارة الكتمان، فأخذ يرد على ضابطه الأعلى هذه الإهانة حرفا بحرف، وطال الخلاف بينهما بحالة أخرجت المرزوقي عن حده؛ فأمسك بأحد المقاعد وضرب بها الضابط القومندان على رأسه فشجه، وتعينت لجنة مكونة من المجلس العسكري العالي لمحاكمته.

ولقد كان جميع رؤساء محمد أفندي المرزوقي ومرءوسيه وزملائه يغارون منه غيرة شديدة، والغيرة كما لا يخفى إذا وصلت إلى قلب رئيس تعميه وتطغيه، وتجعله طائشا مخبولا، وربما تحوله عن جادة الاعتدال إلى معاملة مرءوسه معاملة قاسية لا تخلو من الفظاظة والظلم.

وفي تلك الأثناء كانت الحالة السياسية في مصر قد تغيرت بتنازل الخديوي إسماعيل باشا عن عرش مصر لابنه توفيق باشا سنة 1879 ميلادية، وبذلك استطاع خصومه النكاية به فحكم عليه المجلس بالعزل وبالسجن خمسة أعوام، فكانت هذه أعظم مصيبة زلزلت كيانه، ومكث في السجن مدة ثلاث سنوات إلى سنة 1882م، حيث كانت الثورة العرابية فأخرجوه من سجنه بعد أن كسرت السجون وفر المسجونون، فكان في حالة شديدة من البؤس، يمر بين الناس ببذلته الملكية المرقعة في هيئة محزنة يرثى لها، واضطر أخيرا إلى التسول، وفي يوم 13 نوفمبر سنة 1888م وجد ميتا في أحد الشوارع وعمره 44 سنة.

صادق بك العفيفي

هو صادق بن حسن بن قويدر بن ممتاز العفيفي، ولد بالقسطنطينية 1796 ميلادية، وفي سنة 1800م حضر به والده ممتاز بك العفيفي إلى القطر المصري وعمره أربع سنوات، ولما حظي بمقابلة والي مصر محمد علي باشا الكبير عينه سنجقا بجهة الفيوم، فمكث في هذه الجهة ثلاث سنوات، ومعه عدد لا يقل عن الأربعمائة جندي من المماليك الأتراك. وفي سنة «1811م» جمع محمد علي باشا جيشا مؤلفا من 4000 جندي، بقيادة ابنه طوسون باشا لغزو بلاد العرب وإخضاع الوهابيين، فأقام احتفالا في القلعة تذكارا لذلك اليوم المشهود، دعا فيه رؤساء المماليك وفرسانهم، وكان عدد من حضر منهم يقرب من الخمسمائة، وكان الغرض الحقيقي من دعوتهم التخلص منهم ومن شرورهم ودسائسهم، فأسر محمد علي بذلك إلى «حسن باشا» و«صالح فوج» الأرناءوطيين فقط، وفي صبيحة هذا اليوم أسر به إلى حارس الباب، ولما جاءت الساعة المعلومة أغلق الباب وأبيد كل من في القلعة من المماليك. وفي أثناء حدوث هذه الحوادث في القاهرة أصدر محمد علي باشا الأوامر المشددة إلى المديريين والمحافظين من الوطنيين في المديريات والمحافظات وبنادر القطر المصري، بقتل كل من يعثر عليهم من المماليك. •••

البؤساء في عصور الإسلام · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البؤساء في عصور الإسلامص ٣٠