تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا لم يكن من الموت بد

فمن العجز أن تموت جبانا

وما كاد يلتقي بجنود الجيش المصري حتى دارت بينهما الحرب بكل شدتها، وثبت هؤلاء الأتراك أمام هذا الجيش الفاتح، فمثلوا في هذا الموقف، موقف أسلافهم بمصر حينما غزاها نابليون إمبراطور فرنسا.

سالت الدماء أنهارا، وسدوا شوارع دنقلة بالمتاريس والخنادق، ورغما عن طلقات المدافع المهلكة التي على أثرها كانت تزهق الأرواح، وتندثر الأجسام. تجلد هؤلاء الشجعان، ووقفوا يلاقون الموت بثغور باسمة ضاحكة مستبشرة، ثم صاروا بعد ذلك يستهدفون الموت الواحد بعد الآخر حتى هلك معظمهم، ولقد أعجب سمو الأمير إسماعيل باشا بشجاعة هؤلاء الشبان وقال: لو كان في جيش أبي من هم على بسالة هؤلاء الفرسان؛ لكانت الدنيا جميعا ملكا لنا.

ولما وجد أن فرسان الطوبجية كانت تقاسي متاعب جمة في رد جماح المماليك؛ أصدر أوامره بضرب النار بشدة، فكانت مذبحة هائلة ما شهد مثلها تاريخ هذه البلاد.

اندحر المماليك وتمزق شملهم شر ممزق، واستولت الجيوش المصرية على دنقلة، وقتل من قتل، ووقع في الأسر عدد عظيم من الجرحى.

أما من بقي حيا فقد لاذ بالفرار، متجولا في حدود السودان.

أما صادق بك العفيفي فترك أمواله وأملاكه، وسار في قفار الأرض شريدا طريدا خائفا من القتل.

اعتراه البؤس وهو ذلك العالم العامل المجتهد، الذي تجول في جميع ممالك أوروبا، وأحسن التكلم بلغات كثيرة، اعتراه البؤس وهو الأديب المهذب، تاركا خلفه ما دونته يده من العلوم والفنون التي جادت بها قريحته.

وأخيرا عثر عليه الجيش المصري وهو على آخر رمق فقضوا عليه، فكانت وفاته «سنة 1825م» وعمره 29 سنة.

البؤساء في عصور الإسلام · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البؤساء في عصور الإسلامص ٣٢