وبعد أن مكث الفقيه نجم الدين بن عمارة في رحاب الخليفة الظافر مدة طويلة، رحل إلى اليمن في مهمة ثم عاد إلى مصر، وكانت الحروب الصليبية قائمة على قدم وساق، فأقام بالرغم عن هذه القلاقل في أمن وطمأنينة، ملحوظا بعناية هؤلاء الخلفاء الفاطميين، إلى أن زالت هذه الدولة من سوء حظه على يد السلطان صلاح الدين بن أيوب، فأصبح في حالة من البؤس يرثى لها.
ولما اشتدت به محنته رثى من كانوا سبب عزه من الفواطم بين القصرين بقصيدته التي أولها:
رميت يا دهر كف المجد بالشلل
ورعته بعد حسن الحلي بالعطل
ومنها:
قدمت مصر فأولتني خلائفها
من المكارم ما أربى على الأمل
قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن
تمامها أنها جاءت ولم أسل
يا لائمي في هوى أبناء فاطمة
لك الملامة إن قصرت في عذلي
بالله زر ساحة القصرين وابك معي
عليهما لا على صفين والجمل
وقال منوها عن الحروب الصليبية:
ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة
بنسل آل أمير المؤمنين علي
وهي طويلة في غاية الحسن، نطق بها بغاية من وجدانه، وأملاها عليه يقينه بنية خالصة وعقيدة ثابتة، فلما بلغت السلطان صلاح الدين الأيوبي؛ تغير عليه وطرده من مصر منفيا، فمكث مدة سنوات في حالة من البؤس يرثى لها، حتى مات غما سنة «570 هجرية».
محمد أفندي المرزوقي
هو محمد بن أحمد بن علي بن صلاح الدين المرزوقي، ولد بالإسكندرية سنة 1844 ميلادية، فرباه والده الشيخ صلاح الدين المرزوقي تربية عالية، فتعلم علومه الابتدائية في المدرسة الأولية بالإسكندرية، ثم تلقى علومه العالية على مدرسين، عهد به والده إليهم، فتعلم اللغة الفرنسية، حتى صار كأنه من أبنائها. وفي سنة 1864م حضر والده إلى مصر، وتشرف بمقابلة سمو الخديوي إسماعيل باشا ومعه ابنه محمد، ولما وقعت عليه أنظار الجناب العالي قال له: من هذا الغلام الذي معك يا مرزوقي؟
فأجابه: هذا نجل عبد سموكم يا ولي النعم.
وارتجل محمد المرزوقي بين يدي سموه قصيدته النونية التي مطلعها:
فخر الملوك وصاحب الإيوان
أفديك من ملك رفيع الشان
ذكرتنا عهدا تقادم وانقضى
بزمان ذاك العالم الروحاني
حقب مضت وتناسخت بجلالها
وجلال عصرك ساد في الأكوان
قل للملوك ومن أتوك لينظروا
همم الملوك وحكمة الديان
عني خذوا عهد الفراعنة الألى
دامت مفاخرهم على الحدثان
ومنها يخاطب مصر:
طوباك يا مهد الفخار فقد حما
ك مليك مصر وفاتح السودان
الشهم إسماعيل فياض الندى
جم المواهب باذل الإحسان
المانح الخيرات للبؤساء وال
محتاج فهو صنيعة الرحمن
لا يلهجون بغيره من سيد
في العالمين ولابسي التيجان
ومنها:
والنيل تاه ففاض فوق جسوره
من عطفك السامي على الأوطان
إن المواهب سيدي مقبولة
لا زلت باب الفضل والعرفان
فسر الجناب العالي من نباهته، وأنعم على والده برتبة البكوية، وطلب من محمد المرزوقي أن يقدم طلبا إلى المدرسة الحربية؛ ليكون ضابطا في الجيش المصري.
وفعلا تقدم الطلب، وصار قبول محمد أفندي المرزوقي تلميذا بالمدرسة الحربية، بعد أن أدى الامتحان فنجح نجاحا باهرا، وبعد مدة الدراسة وتعليم الحركات العسكرية؛ تخرج في المدرسة برتبة الملازم ثاني، فألحقه الجناب العالي بين الحرس الخديوي، فترقى إلى رتبة اليوزباشي، ولما توسم فيه مولاه النباهة والنشاط؛ سر منه سرورا لا مزيد عليه، وكثيرا ما كان يشمله بعطفه وينعم عليه دون إخوانه الضباط، حتى باتوا جميعا يحسدونه على هذه الغبطة، وأوغرت قلوبهم عليه، حتى صاروا يتمنون له غلطة يغلطها، أو إساءة يسبكونها في قالب وشاية يلفقوها ضده. وكان الجناب الخديوي مع ما هو مشهور عنه من مكارم الأخلاق كثيرا ما يسمع بعض الوشايات، ولو كانت فيمن هو أعز الناس عنده، ولم يكن من أحد في السراي ولا من جلساء الخديوي من يعطف على المرزوقي، أو يميل إليه.
اتفق بعض الضباط على تلفيق وشاية ينفرون بها قلب الجناب العالي عن عبده المخلص المتفاني في خدمته، ووجدوا من الخديوي أذنا صاغية، وقد صادق على ذلك بعض من كان حاضرا من قرناء السوء، فصدرت إرادته السنية بنقله من الحرس الخديوي إلى الأورطة السابعة. وكان محمد أفندي المرزوقي شعر بهذا الانقلاب، ووجد حالة مولاه قد تغيرت حتى ما عاد يلتفت إليه.