تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن تلك الساعة اختبل عقله ومات بعد عدة أسابيع، وكانت وفاته سنة «985 هجرية»، وله من العمر «95 سنة».

الفقيه نجم الدين بن عمارة

هو الأديب الأريب، العالم العلامة، الفقيه نجم الدين بن عمارة بن الحسن الخزرجي البوريني النعماني، كان عالما من أئمة الفقهاء، شافعي المذهب، من أهل السنة، ومن الشعراء المجيدين. قدم إلى مصر في عهد الدولة الفاطمية، وصاحبها يومئذ الظافر بأمر الله إسماعيل بن الحافظ.

1

وكان وزيره الصالح بن زريك، فأكرم مثواه وصار عنده في أكرم محل وأعز جانب، واتحد نجم الدين مع الخليفة على ما كان بينهما من الاختلاف في العقيدة، ودولة الفواطم على ما هو مشهور عنهم أنهم بعد أن انقسم المسلمون على إثر تولية الإمام علي كرم الله وجهه الخلافة إلى قسمين؛ قسم يشايع لعلي والآخر مع بني أمية، وقد استفحلت العداوة بين الفريقين، وخاصة بعد قتل علي، وموت ابنه الحسن، واغتيال الحسين، فسمي أتباع علي بالشيعة، وأخذوا يعملون سرا وجهرا على القضاء على الدولة الأموية واسترجاع الخلافة منهم. واستمروا كذلك في جهادهم إلى عصر الدولة العباسية؛ حيث ذهب أحد دعاة الشيعة إلى بلاد البر «شمالي إفريقية» داعيا لعبيد الله بن محمد، المنتسب إلى السيدة فاطمة بنت رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وطرد الأمير الحاكم بتلك البلاد التابع للدولة العباسية. وهذه آخر وسيلة عولوا عليها؛ لأنهم لما عجزوا عن الاستحواذ على الخلافة من طريق السياسة، عادوا إلى الدين، فقالوا إن الإمامة ركن من الدين، إذ لا يصح أن يترك المسلمون بلا إمام. وقال أحدهم يجب أن يكون الإمام من ذرية الرسول

صلى الله عليه وسلم ، وهم أولاد فاطمة. وبالفعل أعلنوا أن الخليفة الحقيقي للمسلمين هو عبيد الله المذكور، وأنه المهدي المنتظر، وكان ذلك سنة «296ه» الموافق لسنة «908م». وحضر عبيد الله في العام التالي إلى بلاد المغرب، وحكمها أربعة وعشرين عاما، كان الأمر فيها كله بيده، وأخضع قبائل البربر ودانت له جزيرة صقلية، فكان بذلك مؤسسا للدولة الفاطمية. وكان أكبر أمانيه فتح مصر؛ فأرسل إليها ولي عهده في جيش جرار فلم يفلح.

ولما مات خلفه ابنه القائم بأمر الله سنة «322ه»، الموافقة لسنة «934م»، فأرسل جيشا إلى مصر فهزمه الإخشيد، ولم يحاول خلفه المنصور إسماعيل الاستيلاء عليها. ثم تولى الخليفة الرابع «المعز لدين الله الفاطمي» سنة «431ه»، الموافقة لسنة «953م»، فكانت أيام مبدأ عصر جديد في تاريخ الدولة الفاطمية؛ فبدأ بتوطيد الأمور في بلاده، حتى دانت له جميع رؤساء القبائل العربية، وخضعت له مراكش بأكملها.

ثم صرف همه لفتح مصر، وكانت وقتئذ في اضطراب شديد عقب وفاة كافور الإخشيد، ولم يكن في وسع الخليفة العباسي ببغداد مساعدتها لاشتغاله بصد الغارات عن الدولة، واغتنم المعز هذه الفرصة؛ فسير قائده جوهر الصقلي في مائة ألف مقاتل، وأعدهم بأفخر العدد وزودهم بالمال الكثير؛ فاستولى على مصر بعد مناوشات ضعيفة سنة «358ه»، الموافقة لسنة «996م»، ومن ذاك العهد ابتدأت دولة الفاطميين بمصر.

ثم خضعت بلاد النوبة للفاطميين، ودانت لهم مكة والمدينة، واعترف لهم أمراء بني حمدان (حكام أعالي الشام) بالسيادة على حلب، واستولى أحد قواد جوهر على دمشق عنوة، ونشر فيها عقيدة الشيعة كرها.

ثم قدم المعز إلى مصر في موكب حافل سنة «362ه»، الموافقة لسنة «973م»، ومعه بنوه وإخوته وعشيرته وجثث أسلافه، وكان عصره أزهى عصور مصر وأزهرها. «حضارة الفاطميين»: وكانت دولة الفواطم من أعظم دول الإسلام ملكا، وأرقاها حضارة وأدبا، وأنبلها ترفا وتمتعا، وتقدمت في عصرها الصنائع على جميع أنواعها، ولهذه الدولة أهمية عظمى في تاريخ مصر؛ إذ كان لها تأثير في صيغ البلاد، لا تزال بقيتها إلى اليوم؛ فهم الذين أحدثوا في مصر كثيرا من المواسم والأعياد والحفلات الوطنية، مثل: موسم «أول السنة الهجرية»، ويوم عاشوراء، ومولد النبي، ومولد الحسين، وفتح الخليج، وقافلة الحج (المحمل) ... إلخ.

البؤساء في عصور الإسلام · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البؤساء في عصور الإسلامص ٢٨