فقالت: تأكد يا حبيبي بأننا من أصحاب الآمال العظيمة الهائلة، والقلوب الكبيرة الذابلة.
فقال: نعم، ولكن مع الأسف إن هذه النفوس العالية خاوية خالية.
وبعد ذلك تعاهدا على الوفاء في الحب.
واستمر ابن الراوندي والأميرة حسنات يتقابلان سرا مدة شهر كامل، كانا في خلاله لا يستطيع أحدهما البعد عن الآخر، وزاده الحب نباهة؛ فكان يغني بالحب حتى لا يستطيع من يسمعه إلا أن يصيح عاليا من قلب مندمل.
وانتهت الضيافة، وقرر الأمير ابن حشاد أن يعلن بفض هذه الحفلات.
ومن سوء حظ ابن الراوندي وحبيبته الأميرة حسنات أنهما اجتمعا معا في ذات الليلة التي شكر فيها الأمير حشاد على تلبية دعوته جميع من حضروا حفلات أنسه بسماع ابن الراوندي، الذي شنف الأسماع برخيم صوته، وقال وإن الليلة الآتية هي خاتمة هذه الحفلات.
وفي وقت الفجر تقريبا حضرت الأميرة كعادتها، وأخذت تتحدث مع ابن الراوندي بحديث العشاق.
وبينما هما كذلك وإذا بالأمير قد وقف أمامهما وقال: سلام على العشاق في كل مكان، وسلام عليكما يا من جهلتما أن بين المضاجع يختلف المؤتلفون، ويعتنق المتباعدون، أما أنتما فمحبان باعدت بينهما الأيام، وحكمت عليهما بالفراق.
فوجم العاشقان وجوما رهيبا، واعتراهما خوف شديد، فوقفا مضطربان، وقد زادهما الحياء حسنا وجمالا.
وشعر الأمير بأن أعصابه تضطرب، وقد وهنت عزيمته، فوقف باهت اللون يترنح من شدة الغيظ، وظهرت على محياه ثورة الحزن واليأس.
أما الأميرة فقد ضعضعها الوجل، واستولى عليها الحياء، ومادت بها قدماها فهوت ساقطة إلى الأرض.
فاحتملها الأمير إلى غرفة ثانية، وكتم غيظه، وعاد بعد ذلك إلى ابن الراوندي وقال: لا تحزن ولا ترتبك، وتأكد بأني قد وهبت لك حسنات.
وما زال به حتى طابت نفسه، وذهبا معا إلى غرفة الفتاة، وما زال بها حتى أفاقت، فأمنها على نفسها بحجة أنه قد وهبها له.
فرح العاشقان فرحا شديدا، وإكراما لذلك قال الأمير: وبما أني قد أمرت بجمع شملكما فيجب أن نجلس جميعا نستقبل هذا الصباح الجديد، وهيا نصطبح فأشرب نخب هنائكما كاسات المدام.
وجيء بالخمر فصب كأسه وصب لكل من شقيقته وابن الراوندي كأسه، وبسرعة مدهشة وضع لهما في الكاسات سما زعافا.
ودارت الكاسات خمرا صافيا بين الثلاثة، وعلى أثر ذلك شعرت الأميرة بدوار شديد، وعادت في الحال إلى غرفتها.
أما ابن الراوندي فقد شعر بأحشائه تكاد أن تتمزق، فأفرده الأمير في غرفة خاصة وهو موقن أن سيموت عما قليل، وأدرك ابن الراوندي ما حل به من الأمير، فجاء في ذات ليلة حينما أمكنته الفرصة فهرب، وأخذ يسير طول الليل وهو في حالة من المرض والتعب لا يمكن معها أن يواصل سفره في البيداء، فمكث في ضيافة رجل مدة ثلاثة أشهر، أصبح في خلالها عظما باليا في جلد، وفي حالة يرثى لها.
وما زالت تتناوشه الأسقام وتعترضه الأشجان، حتى تغير شكله، وصار من يراه لا يظن أنه هو، وقد تغير هندامه؛ فانقلبت سحنته وضاعت محاسنه الجسمانية، وفقد نغمة صوته الشجي، واستحال بعد ذلك إلى شكل مخيف بشع من تأثير السم الذي فتك به.
وصار صوته خشنا مريعا لا يخرج من حنجرته إلا بصعوبة، وكان وقتئذ يبلغ من العمر نحوا من ثلاثين سنة، فعاد إلى بغداد وهو موقن أنه فقد فضيلة الصوت، وأن حياته صارت كالعدم؛ فانكب على العلم بجملته، فكان من العلماء الراسخين في العلم. ولما لم يجد من يعوله تزوج بامرأة من قومه فقيرة مثله؛ فرزقه الله بكثير من الأولاد على سوء حاله. «قيل» إنه اشترى يوما جانبا من الدقيق، ووضعه في طرف ردائه وشده بخيط وحمله على كتفه، وبينما هو سائر في الطريق خطر بباله سوء الحال الذي هو فيه، وضيق ذات يده، وتراكم المحن والشدائد عليه؛ فرفع طرفه إلى السماء وقال: «يا رب حل مشكلي» وأكثر من الدعاء بذلك، وبينما هو يدعو عثر في حجر فارتج جسمه، ومن شدة الرجة انقطع الخيط المربوط به الدقيق، وتبعثر الدقيق على الأرض واختلط بالتراب، فلما أبصر ذلك قال: الحمد لله قد انحل المشكل، وسيموت العيال جوعا!