وكان الأمير بهاء الدين قد بلغه خبر ابن الراوندي، ووقف على صيته البعيد وما وهبه الله من جمال الصوت والخلق، فأراد أن يراه ويسمع صوته، ويولم وليمة يجمع فيها جميع الأمراء وأعيان البلاد المجاورة له، ويجعل الأفراح في مدينته شهرا كاملا؛ فأرسل رئيس حرسه إلى ابن الراوندي بكتاب رقيق الحاشية، يدعوه فيه بتشريف الوايلية، وأعد له هودجا، وما يلزم لراحته. ولما وصل إليه رسول الأمير أسرع في الذهاب إليه وهو مبتهج طروب، ولما دخل الوايلية قابله الناس بالترحاب والتهليل، ودقت له الطبول، وخرج الأمير ابن حشاد لمقابلته، ولما وقعت عينه عليه أخذه بالأحضان وهنأه بالسلامة، وشكره على إجابة طلبه، وبعد أن استراح ثلاثة أيام من وعثاء السفر؛ دعا الأمير الناس للاحتفال، ونصب له مجلسا عاليا يشرف فيه على هذه الجموع المتزاحمة.
أخذ ابن الراوندي مجلسه بين بطانته، وكانوا أربعة شبان على شاكلته، يضرب بهم المثل، وكانوا يرددون صوته بما تستدعيه صناعة الغناء التي ابتكرها لهم هذا الأستاذ، وما كاد يفتتح الحفلة بتلاوة ما تيسر من القرآن حتى هاج الجمع وماج، وبعد ذلك أخذ في غناء قصيدة غرامية قام لها الحاضرون وقعدوا. اندهش الأمير ابن حشاد مما سمع، واستهواه جمال هذا الصوت الحنون الرنان، وترجيع المواقف بنغمة شهية فيها بحة احتلام لذيذة، يتوهمها السامع أنها موصلة بنياط قلبه، واشتد الطرب بالأمير فالتفت إلى من بمجلسه من أصدقائه وندمائه وقال: لو أقسمت أني سمعت صوت الملائكة ما حنثت في يميني. وما زال يغنيهم؛ تارة بالإنشاد، وطورا بالتواشيح، حتى سلب عقولهم. وانتهت تلك الحفلة بعد الفجر حيث تفرقت هذه الجموع للصلاة، وانتشروا بعد ذلك لمزاولة أشغالهم، وكان لا هم للناس إلا الإعجاب بما سمعوه من جمال صوت ابن الراوندي.
واقترب منه الأمير ابن حشاد، فأخذه بين أحضانه وهو مغتبط طروب، وقد أحبه أحسن حب، وما زال به حتى أوصله إلى الغرفة التي خصصها له لينام فيها، وكانت فاخرة الرياش حسنة الترتيب، فيها سرير عليه فرش وثير مما ينام عليه الملوك، وجعل له خادما خصصه له، ثم ودعه وانصرف لينام.
وما كاد يرتدي بملابس نومه ويستلقي على سريره حتى سمع نقرا ضعيفا على باب غرفته، ثم دخلت فتاة حسناء ما وقعت عين إنسان على أجمل منها، فحيته بإشارة من يدها، وقالت: أظنك لا تعرفني طبعا، وتجهل سبب حضوري إليك، وأنا ربة خدر لم أتعرف برجل قبلك.
فنظر إليها نظرة حياء ووقار وقال: إن صدق ظني فأنت من بيت حشاد الرفيع العماد، الأثيل في المجد والسؤدد. فنظرت إليه نظرة طويلة تطفح حنوا وغراما وقالت: لقد صدقت، فأنا شقيقة الأمير حشاد، ولقد حضرت إليك لأشرح عواطف حبي، وأقول لك إني سمعت نغمة صوتك التي استهوتني بالوجد الشديد، ورأيت جمال صورتك الذي استمال عواطفي نحوك، ولما تحققت من دعة نفسك وكرم أخلاقك أحببتك حبا خالصا شريفا وملكتك قلبي.
فاضطربت أعصاب ابن الراوندي، وثبت في مكانه جامدا، وأرخى للفكر سدوله؛ فهام في مهامه التفكير. ثم رفع إليها رأسه، وقال: هذه طربة من شجون الحب، وبدعة من هواجس الغرام. أظنك تسرعت كثيرا ولم تفهمي أن بيني وبينك فوارق هائلة لا أستطيع أن أزحزحها؛ أنت من ذوات الصون والعفاف، شقيقة ملك وسلطان، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أكون من ضمن خدمه.
فبكت الأميرة وقالت: أنت يا ابن الراوندي فتى جمله الله بالمحاسن النادرة التي تروق في عين النساء، وإني فتاة لا أمتلك أمر نفسي، ولكني حضرت إليك ألتمس في حبك الهناء، راجية منك أن تقاسمني واجب الحب ولو حالت دونه الحياة.
فبكى ابن الراوندي بكاء مرا ونظر إلى الفتاة، وقال: إنك يا سيدتي حسناء ولا جدال في ذلك، وإني منذ هذه اللحظة التي رأيتك فيها شعرت بتأثير الحب، أحببتك يا ذات الشباب الغض والجمال الباهر، وإني في غد سأسكب عبرات الأمل الزاهر، وأستعذب هذه الحياة المباركة.