وكانت نفسيته في حالة شديدة ظهرت مرتبكة بالتأثير، فكان كلما تصور المعركة العنيفة التي قامت بين الوزير وصديقه ابن مقلة؛ تجلت له عظمة الرجل الغيور، صاحب النفس العطوفة، الرجل الحكيم الداعي للمسامحة والتساهل، لأسباب قهرية لولاها لكانت نفس ابن مقلة نشطت من عقال الخمول، وتصدرت للدفاع عن كرامتها، وما كان علي بن سليمان ممن يستهينون بكرامة النفس، فإن ما حصل من الوزير أبي الحسن علي بن عيسى جرحه في كبريائه، وصدع عزة نفسه؛ فانتفض ممتقع اللون، وشعر بحمى عنيفة، فأراد أن ينتهي من حياته على أي وجه أو شكل؛ فأتى بشيء من السلجم وأكله نيا فقبض على قلبه فانتحر، ومات على الإثر.
فكان هذا الخبر شديد الوقع على ابن مقلة؛ فحزن عليه حزنا شديدا.
وكانت وفاته سنة «715 هجرية».
التلعفري
هو الإمام الأوحد، والعلامة المفرد، الشيخ شهاب الدين محمد بن يوسف بن مسعود بن بركة الشيباني التلعفري الشاعر المشهور، ولد بالموصل سنة «593 هجرية»، واشتغل بالأدب حتى ضرب به المثل في لطافة الغزل، ورصانة الشعر، ورشاقة المعاني، وكانت تميل به نفسه إلى الخلاعة، ثم ابتلاه الله بالقمار فأفسد عليه عيشه، وكان كلما أعطاه الملك الأشرف شيئا يقامر به فطرده من خدمته وأقصاه إلى حلب، فلما وصلها مدح صاحبها العزيز فأحسن إليه وقرر له رسوما، فسلك معه مسلك الملك الأشرف، فنادى في حلب أن من قامر مع الشهاب قطعنا يده؛ فامتنع الناس من اللعب معه، فضاقت به الحال فترك الخدمة، وجاء إلى دمشق ولم يزل يستجدي بها ويقامر حتى صار لا يملك درهما، وصار من شدة الفاقة في حالة يرثى لها، ثم نادم في أواخر أيامه أمير حماة، ومات بعدها بقليل سنة «685 هجرية» وله من العمر اثنان وثمانون سنة، وله ديوان شعر جيد. ومما حكاه الشيخ تقي الدين بن حجة الحموي، قال: اتفق أن الشيخ نور الدين علي بن سعيد الأندلسي لما نزل بمصر اجتمع بالوزير بهاء الدين أبو الفضل زهير، وسأله أن يرشده إلى ما يجعله رقيق الغزل، فقال له: طالع ديوان الحاجري والتلعفري، وأكثر المطالعة فيهما، وراجعني بعد ذلك، فغاب عنه مدة وهو يشتغل بمطالعة الديوانين إلى أن حفظ غالبهما، ثم اجتمع به بعد ذلك وتذاكرا الغراميات، فأنشده بهاء الدين زهير «يا بان وادي الأجرع»، فرد عليه نور الدين «سقيت غيث الأدمع». فقال له: حسن، لكن الأقرب إلى الطريق الغرامي «هل ملت من طرب معي». ومن محاسن شعر التلعفري:
هذا العذول عليكم ما لي وله
أنا قد رضيت بذا الغرام وذا الوله
شرط المحبة أن كل متيم
صب يطيع هوى ويعصي عذله
ابن الراوندي
هو الإمام الأجل، العالم العامل، الفاضل المجتهد، حسن بن محمد بن علي الراوندي، ولد ببغداد سنة «890 هجرية»، فحفظ القرآن وله من العمر سبع سنين، ولما بلغ الثانية عشر جود القرآن بالسبع قراءات، وتبحر في العلم، وكان رخيم الصوت حسن الغناء، يكاد صوته أن يكون ملائكيا يستهوي القلوب سماعه، ووهبه الله جمال الخلق والخلق؛ فكان صبيح الوجه حسن التقاطيع، وقد رزقه الله التقوى؛ فنشأ على الورع والزهد وكثير العبادة، يتهجد طول ليله ولا ينام إلا غرارا. وشاع ذكره في جميع الممالك الإسلامية، فطاف مدن العراق فصادف من إعجاب الناس وحفاوتهم به ما جعله مكبا على العلم بجملته، وعظمته الأمراء واحتفلت به الملوك، ولما بلغ العشرين من عمره كمله الله بالعلم ومحاسن الجمال الفتان؛ فكانت تعشقه النساء، وتهيم بحبه الغادات الحسان، وتتمنى كل غانية من الغانيات، والبارزات في الحسن المشهود لهن بالجمال ورقة الغناء؛ أن تكون له أمة تتمتع بهيئته الوسيمة، وطلعته النادرة المثال. وبالجملة فقد أصبح ابن الراوندي لا ينادم إلا الملوك، ولا يسامر غير الأمراء.
ففي ذات يوم دعاه الأمير بهاء الدين بن حشاد صاحب الوائلية، وكان بنو حشاد سادات هذه الجزيرة، ولهم من الإقطاعات والعزب والحدائق والغيطان والقصور الشماء ما جعلهم يفاخرون الملوك، ويتعاظمون على من عداهم. «قيل» إن جيش ابن حشاد كان لا يقل في زمن السلم عن عشرين ألفا، وكان في زمن الحرب لا يعلم عدده إلا الله.