اللهم أسبغ علي نعمتك، واسترني بسترك الجميل، وإلا فألهمني الصبر واجعلني قانعا باليسير من الرزق، وبتلك الحالة التي أصبحت فيها؛ لأني لا أستطيع الاكتفاء في حياتي بهذا العيش التافه الذي لو استمر على ما أنا عليه عراني السقم، وصرت من سوء التغذية وعدمها وهما وخيالا.
اللهم إن كان في الأجل امتداد، وفي الحياة بقية، فمتعني بطاعتك في مسرات الوجود حتى أبتهج بها، واجعل الأيام تمر سرعى وتنطوي على عمل؛ حتى أفوز بالهناء المقيم، وأحظى بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم.
فاستاء ابن مقلة من هذه الحال التي يعاني بؤسها صديقه العالم الفاضل الفيلسوف المجتهد، الأديب الأريب الذي يضن الدهر بمثله، ولا تتمخض الأيام بمن هم على شاكلته، وانسكبت عبراته تتقاطر حتى صار يشهق بالزفير تبعا لعواطفه الرقيقة.
ولاحت من على ابن سليمان نظرة على أثر ما سمع من تصعد الزفرات، فأبصر صديقه ابن مقلة في شدة الحزن، وهو يكاد أن ينفطر كمدا عليه، فقال له: مهلا يا صديقي، فكهذا نصيب العلماء.
فقال ابن مقلة: ونصيب العظماء أيضا.
وبعد أن مكثا ساعة باح فيها ابن سليمان بما يبطن من همومه ونكبات دهره، فقال له ابن مقلة: إني سأجتهد في الوساطة لك عند بعض الأمراء فيلحقك في مرتزق من خيرات المحسنين.
فكرهت نفس ابن سليمان هذا الرجل الشريف النبيل أن يكون هكذا حاله، وهو الرجل العاقل المؤتمر بأوامر الله والمنتهي بنواهيه، أن يقبل على نفسه هذه الوساطة الشائنة، وهو ذلك الرجل العالم الوقور الذي يعترف بالحق، ويؤدي الواجب عليه، ويعرف ما يعترض الإنسان من خير أو شر، وله من عظمة نفسه العالية الأبية ما يجعله يترفع عن مثل هذه الدنايا. لم يكن أبدا من أولئك الذين يطلبون رزقهم من غير الخالق جل شأنه، ولا هو ممن يطلبون الرفعة على مزالق السقوط، لم يكن أبدا يطلب رزقه في عظمة مسلوبة، ثم ينحدر في بؤرة السفالة والمعروف.
فنظر إلى ابن مقلة وقال: إذا كانت الأرزاق تأتي من هذا الباب؛ فدعني أغلقه، ومن أدراك؟ فربما تلحظنا عناية الله عز وجل؛ فتكتب لنا السلامة وتهدينا إلى الطريق المستقيم.
وهنا أبت عزة نفس ابن سليمان أن يجعل صديقه عرضة لطلب الإحسان باسمه، وأبت صداقة ابن مقلة إلا أن يسعى في خير صاحبه فيتوسط له في مرتزق يتعيش منه. ولما ودعه وانصرف من حضرته قصد في الحال منزل الوزير «أبو الحسن علي بن عيسى»، وليشرح له حالة صديقه علي بن سليمان، وما هو فيه من الفاقة والفقر وشدة الضيق، ويطلب منه أن يساعده فيقرر له مرتزقا يتعيش منه في جملة من يرتزق من البؤساء والفقراء المحتاجين.
فلما وصل ابن مقلة إلى الوزير أبي الحسن بن عيسى، وعرض عليه مساعدة ابن سليمان برق وأرعد، واشتد به الغضب؛ فصرخ في ابن مقلة وأهانه إهانة شديدة، وانتهره وشنع به من غير ما سبب يوجب ذلك.
ولقد كان ما حصل لابن مقلة من الإهانة أمام مجلس حافل من الوجوه والأعيان، وطبقة أخرى من جماعة المتقاضين وغيرهم؛ فشق على ابن مقلة ذلك، ولم يستطع أن يعمل عملا مع هذا الوزير الفظ الأخلاق السيئ التربية، غير أن توجه إلى بيته وهو يكاد أن يتميز من شدة الغيظ، اعتراه الخجل من جراء هذا الحادث الذي أحزنه وقلل من مقامه واعتباره، وكتم الأمر تماما عن علي بن سليمان، وعزم على أن لا يفاتحه بما حصل؛ خوفا على رقة إحساسه وشعوره العالي.
وبعد أيام وقف علي بن سليمان على صورة الحال، فاغتم غما شديدا على ما حل بصاحبه من الإهانة التي وجهت إليه بسببه، فأكبر فيه هذه المروءة وهي من صفات الرجل الكريم، ومقت للوزير سفالته إذ كانت من خصال الرجل اللئيم.
واشتدت به الأحزان فاضطربت أعصابه، واعترته آلام نفسانية لا يعلم أحد عن كيفية أسبابها، وظهرت عوارض اليأس عليه.