تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان رحمه الله على حالة لا تسر حبيب، حتى إن البؤس قد اعترضه طول أيام حياته رحمه الله. ا.ه.

أبو الحسن التهامي

أبو الحسن علي بن محمد التهامي، كان عالما أديبا وشاعرا مجيدا، تشبه بعادة الشعراء أمثاله؛ فطاف البلاد متوسلا بشعره مستجديا بقصائده، فمر بالعراق وفارس والشام وسائر الأقطار الشرقية، حتى انتهى إلى مصر مستخفيا ومعه كتب كثيرة من حسان بن مفرج بن دغفل البدوي، وهو متوجه إلى «بني قرة»؛ وهي بلدة بصعيدي مصر بمديرية أسيوط، فظفروا به فقال: أنا من بني تميم. فلما انكشف حاله عرف أنه التهامي الشاعر المشهور؛ فاعتقل في خزانة البنود وهو سجن بالقاهرة، وذلك في اليوم السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة «416 هجرية»، ثم قتل سرا في سجنه في اليوم التاسع من شهر جماد الأول سنة «416 هجرية».

ومن محاسن شعره:

سأنفق ريعان الشبيبة آنفا

على طلب العلياء أو طلب الأجر

أليس من الخسران أن لياليا

تمر بلا نفع وتحسب من عمري

أبان لنا من دره يوم ودعا

عقودا وألفاظا وثغرا وأدمعا

وأبدى لنا من دله وجبينه

ومنطقه ملهى ومرأى ومسمعا

فقلت أوجه لاح من تحت برقع

أم البرق بالغيم الرقيق تبرقعا؟

وله أيضا:

عبسن من شعر في الرأس مبتسم

ما نفر البيض مثل البيض في اللمم

ظنت شبيبته تبقى وما علمت

أن الشبيبة مرقاة إلى الهرم

ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خلقي

ولا وفائي ولا ديني ولا كرمي

وإنما اعتاض رأسي غير صبغته

والشيب في الرأس دون الشيب في اللمم

بالنفس قائلة في يوم رحلتنا

هواك عندي فسر إن شئت أو أقم

فبحت وجدا فلامتني فقلت لها

لا تعذليه فلم يلؤم ولم يهم

لما صفا قلبه شفت سرائره

والشيء في كل صاف غير مكتتم

بعض التفرق أدنى للقاء وكم

لاءمت شملا بشمل غير ملتئم!

كيف المقام بأرض لا يخاف بها

ولا يرجى شبا رمحي ولا قلمي؟!

فقبلتني توديعا فقلت لها

كفى فليس ارتشاف الخمر من شيمي

لو لم يكن ريقها خمرا لما انتظمت

بلؤلؤ من حباب الثغر منتظم

ولو تيقنت غير الراح من فمها

ما كنت ممن يصد اللثم باللثم

وزاد ريقتها بردا تحدرها

على حصى برد من ثغرها شبم

إني لأطرق طرفي عن محاسنها

تكرما وأكف الكف عن أمم

ولا أهم ولي نفس تنازعني

أستغفر الله إلا ساعة الحلم

وله أيضا:

أعاصي الهوى في حال نومي ويقظتي

فسيان عندي وصلها والتجنب

لحى الله قلبي ما له الدهر عاكفا

عليها ومن شأن القلوب التقلب

ولم أنسها تصفر من غربة النوى

كما اصفر وجه الشمس ساعة تغرب

علي بن سليمان النحوي

هو علي بن سليمان بن محمد الشهير بالنحوي، كان من مشاهير القرن الثالث والرابع، بل هو من العلماء المعدودين، والنوابغ الأعلام، وإن شئت مزيدا فهو إمام اللغة والأدب في عصره، والنابغ المجتهد الفهامة، الذي اعترف الجميع بذكائه، وانبهر الطلاب من سرعة جوابه، وهو وإن كان من البؤساء الذين أخنى عليهم الدهر، إلا أنه كان في مجلس علمه تحتفل به الأمراء، وتتقرب إليه الوزراء. وعلى وجاهته وسمو مكانته كان يخفي تحت مظهره الخلاب، ونباهته الفائقة، حالته من البؤس التي كان يتألم في الباطن منها، وكانت عزة نفسه وشهامة قلبه تأبى عليه أن يبوح بما هو فيه من سوء الحال لأحد. وكان من أكرم أصدقائه عليه «أبو علي بن مقلة» الكاتب المعروف، الذي يضرب المثل بحسن خطه، والذي يقول فيه الشاعر:

فصاحة حسان وخط ابن مقلة

وحكمة لقمان وعلم ابن أدهم

إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس

ونودي عليه لا يباع بدرهم

وكان دائما يتلازمان وبينهما عهود صداقة توطدها صلة العلم، وأبو علي بن مقلة يبره ويراعيه، ويحفظ حقوق محبته غائبا أو حاضرا، وهذان الصديقان كانا على أتم وفاق وأطيب عشرة، ولا يكتم أحدهما عند الآخر سرا يختلج في صدره، ويبوحان لبعضهما بالمكتوم من أمرهما.

ففي ذات يوم حضر ابن مقلة لزيارة صديقه ابن سليمان، فدخل عليه وهو مستقبل القبلة يصلي، ثم جلس في ناحية من أركان الغرفة وابن سليمان لا يشعر به؛ لأنه كان غائبا بشواهد ذاته، حيث تجول روحانيته في سرمدانية الحق، فسمعه يناجي الحضرة العلية بقوله: إلهي وسيدي ومولاي، إني ولك الحمد على ما أنعمت أصبحت في حالة من الضنك كاد أن ينخلع لها صدري؛ لأني أدافع البؤس وأكافح الضيق، وفي نفسي من آمال الثقة بك جيش من الاطمئنان يزحف متمردا على هذا الشقاء الذي أكرهه وأمقته. اللهم أنت تعلم سوء حالي، وتعلم أني أقابل الناس وهم من طبقة الأغنياء؛ فتدفعني النفس الأمارة بالسوء أن أطلب منهم فضل نوالهم أستعين به على وقتي، ولكني أعود فأخجل لأني لا أعرف ما في نفوسهم. وكم من مرة جلست مترددا وفي قلبي غصة من ألم الحياة ومتاعبها، وحول عنقي سلاسل من مشاكل الوجود! وكلما أصبر النفس وأمنيها أجدها شاردة في فلاة هذه الحياة العميقة؛ وحينئذ تظهر الطبيعة أمامي تفيض برونقها، ثم تتلألأ ببهاء أنوارها الساطعة؛ فتنقشع العباسة عن وجهي، ويتهلل قلبي بشرا وسرورا، وتلوح الحياة أمامي جنة أفراح ومسرات، وما هي غير لحظة حتى تنقلب هذه الظواهر الخلابة.

البؤساء في عصور الإسلام · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البؤساء في عصور الإسلامص ٢٣