تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عذب الغرام عن اللطيمة بابل

وأبي اللوائم لا أفقت عن الهوى

ولئن أفقت فأين قلب ذاهل

وله أيضا:

فؤاد دنا منه الغرام جريح

وجفن نأى عنه الرقاد قريح

فللوجد قلبي والمدامع للبكا

إذا لاح برق أو تنفس ريح

أكلف عيني أن تجود بمائها

وإني به لولا الهوى لشحيح

ويعذلني خلي ويزعم أنه

نصيح وهل في العاذلين نصيح؟

ولو أنصف الواشون رق لذي الشجى

خلي وما لام السقيم صحيح

فما لغراب البين ينعب بعدما

أتت دون من أهوى مهامه فيح

وله أيضا:

ونشوانة الأعطاف من ترف الصبا

تغير وشاحيها الخلاخل والقلب

إذا مضغت غب الكرى عود إسحل

وفاح علمنا أن مشربه عذب

وله أيضا:

أمط عن الدرر الزهر اليواقيتا

واجعل لحج تلاقينا مواقيتا

فثغرك اللؤلؤ المبيض لا الحجر ال

مسود لاثمه يطوي السباريتا

واللثم يجحف بالملثوم كثرته

حاشا ثناياك من وصم وحوشيتا

قابلت بالشنب الأجفان مبتسما

فطاح عن ناظريك السحر منكوتا

فكان فوك اليد البيضاء جاء بها

موسى الكليم وهاروتا وماروتا

جمعت ضدين كان الجمع بينهما

لكل جمع من الألباب تثبيتا

جسم من الماء مشروبا بأعيننا

يضم قلبا من الأصلاد منحوتا

فضحت من جيدك الغزلان ملتفتا

ولم تكن عن صياد الأسد ملفوتا

فهن ينفرن من خوف ومن خجل

لنقصهن ويسكن الأماريتا

وقال أيضا:

وسرحة بربا نجد مهدلة

أغصانها في غدير ظل يرويها

إذا الصبا نسمت والمزن يهضبها

مشى النسيم على أين يناجيها

تقيل في ظلها بيضاء آنسة

يكاد ينشرها لينا ويطويها

سود ذوائبها بيض ترائبها

حمر مجاسدها صفر تراقيها

عارضتها فاتقت مني بجارتها

كالشمس عارضها غيم يواريها

ونمت ملقى على سقط النقى لممي

ونفحة المسك تسري في نواحيها

ثم انتبهت ولاح الفجر في ظلم

غدا يقص سناه من حواشيها

وبل درعي ورمحي صوب غادية

والبرق يضحكها والرعد يبكيها

والعين من حب أعرابية عرضت

تعوم في عبرات كنت أذريها

فليتها لي والآمال أكثرها

تعذب الناس بالدنيا وما فيها

القسم الثالث

| بؤساء الحظ

ومن البؤساء طائفة عاكسهم الحظ، وعاندهم الدهر؛ فضلوا سبيل القصد، وتاهوا في غياهب الظلم، ولم يبلغوا أملا من دنياهم، وأصابتهم العلل في أجسامهم ، ولم يقف بهم البؤس عند هذا الحد، فسلط عليهم المصائب فانقضت عليهم، ووقف أمامهم سوء الطالع وما استطاع أن يحولهم عن مطامعهم، ولما فقدوا عقيدة الأمل الذي كانوا به يتعللون؛ تركوا دنياهم ليتخلصوا مما هم فيه، وماتوا بحسرة لا تنتهي عنهم، وشجون لا يحصرها عدد.

ابن دريد

هو محمد بن الحسن بن عتاهية الأزدي الملقب بابن دريد، العالم المتفقه اللغوي البصري، إمام عصره في اللغة والأدب والشعر الفائق الذي كان يستهوي القلوب سماعه.

كان رحمه الله كثير الخلاعة والمجون والمنادمة والشجون، رقيقا مبدعا، مع إحكام قوافي الشعر ومبانيه. يضرب بعلمه وفنونه المثل، وله بين إخوانه ليال كلها أسحار، ومجالس كلها طرب.

قيل إنه جاوز التسعين من عمره وهو يشرب الخمر، وكان من بؤسه إدمان داء الخمر الذي هو علته وآفته. «وقال ابن شاهين»: كنا ندخل عليه نستفتيه في فتوى، أو نستفهم منه عن بعض ملتبسات لغوية، فتعترينا هيبته وهو في مجلسه، ولكننا نخجل ونستحي من رؤية العيدان وآلات الطرب المعلقة، وأواني الشراب المصفوفة.

وقال رشيد الدين العناني:

كان ابن دريد علما من أعلام العلم، وطودا من الأطواد الشامخة، يضرب بعلمه وذكائه المثل، كما صار مثلا من الأمثال الشائعة بخلاعته ومجونه.

وكان يحتفل بمجلس أنس تتهافت عليه عشاق الطرب والحظوظ. وفي ذات يوم ذكرناه فوجدنا العلامة المقري عناه في ميميته المشهورة بقوله:

أين الذين تفيئوا

ظل السعادة والزعامه؟

وتعشقوا لما بدا

لهم محيا الأرض شامه

والزاعمون بجهلهم

أن القبور صدى وهامه

والمكثرون من المجو

ن إذا شكا الفكر اغتمامه

أين الغريض ومعبد

أو أشعب وأبو دلامه؟

ومن الأمثال الشائعة فيه ما قاله عنه أبو منصور ظافر الحداد من ذاليته المشهورة:

البؤساء في عصور الإسلام · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البؤساء في عصور الإسلامص ١٨